أكد المناضل التقدمي المناهض للإمبريالية والصهيونية، والمتحدث السابق باسم رابطة “فلسطين ستنتصر” (Collectif Palestine Vaincra)، توم مارتن، أن إعادة قراءة إرث الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونصوصه السياسية تمثل اليوم ضرورة فكرية وسياسية، خصوصاً في ظل استمرار الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتصاعد الاستعمار الاستيطاني في مختلف أنحاء فلسطين، مشدداً على أن أفكار حبش والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا تنتمي إلى الماضي، وإنما تُشّكل جزءاً من تراث سياسي ونضالي يمكن للأجيال الجديدة الاستناد إليه في بناء آفاق تحررية للقضية الفلسطينية.

وقال مارتن، في مقابلة ضمن برنامج “الشطرنج الدولي” على قناة الجزائر الدولية، بمناسبة صدور كتاب “لا شيء أغلى من الحرية” الذي يضم مجموعة من النصوص والمداخلات والمقابلات السياسية لجورج حبش، إن أهمية الكتاب تكمن في إتاحته نصوصاً سياسية وفكرية لحبش لم تكن معروفة أو متاحة باللغة الفرنسية، وبعضها ينشر للمرة الأولى، بما يسمح للقراء والمناضلين الجدد بالتعرف مباشرة إلى أفكاره وتحليلاته بعيداً عن الصورة النمطية التي اختزلته أحياناً في شخصية تاريخية من الماضي.

وأوضح أن عنوان الكتاب “لا شيء أغلى من الحرية” يحمل دلالة خاصة، فهو يستعيد العبارة المرتبطة بالمناضل الفيتنامي هوشي منه، الذي كان حبش قد تأثر بتجربته وقرأ كتاباته إلى جانب ماركس وإنجلز ولينين وماو تسي تونغ وغيرهم من منظري حركات التحرر والثورات المناهضة للاستعمار.

وأشار مارتن إلى أن جيلاً جديداً من المناضلين المناهضين للصهيونية والإمبريالية نشأ خلال السنوات الأخيرة، وصُقل بشكلٍ خاص في مواجهة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، معتبراً أن هذا الجيل بحاجة إلى استعادة التراث السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية، وفي القلب منه تراث جورج حبش والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لفهم العمق السياسي والتاريخي للصراع الفلسطيني.

وأكد أن إعادة قراءة حبش تعني فهم القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني ومقاومة للاستعمار الاستيطاني والإمبريالية، وليس مجرد نزاع ديني أو صراع بين طرفين متساويين، مشدداً على أن ما يجري اليوم يُمّثل استمراراً لثمانية وسبعين عاماً من الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

حبش ابن النكبة وصاحب رؤية تَشكلّت من التجربة والمعرفة

وقال مارتن “إن جورج حبش كان «ابن النكبة»، فقد ولد عام 1926 وعاش في صميم تجربته الشخصية كارثة عام 1948 وما رافقها من اقتلاعٍ وتهجير للشعب الفلسطيني، وهي التجربة التي أسهمت في تشكيل وعيه السياسي ودفعته إلى البحث عن طريق للتحرر لا يقوم على الاستسلام أو التسويات المفروضة.

وأوضح أن حبش التقى رفاقاً أساسيين في الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي مقدمتهم وديع حداد، وأن تجربته السياسية والفكرية تطورت لاحقاً من خلال النضال والسجن، ولا سيما أثناء سجنه في سوريا عام 1968، حيث تعمقت معرفته بالفكر الماركسي وبالتجارب الثورية والتحررية العالمية.

وأشار إلى أن الجمع بين التجربة المباشرة للاستعمار الصهيوني وبين دراسة الماركسية وحركات التحرر العالمية أسهم في صياغة رؤية استراتيجية لدى حبش، جعلت من تحرير فلسطين ومقاومة الاستعمار والإمبريالية مركزاً لمشروعه السياسي.

وأكد أن حبش لم يكن مجرد قائد سياسي، وإنما كان صاحب رؤية تاريخية بعيدة المدى، سعى إلى قراءة القضية الفلسطينية ضمن سياقها العربي والدولي، وربط النضال الفلسطيني بالنضالات العالمية ضد الاستعمار والإمبريالية.

إرث الجبهة الشعبية بين القومية العربية والماركسية

وأشار مارتن إلى أن إرث الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يجمع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية وبين اليسار الماركسي والمناهض للإمبريالية، مؤكداً أن الجبهة لم تتبنَّ هذه الرؤية بصورةٍ مجردة، وإنما طورتها انطلاقاً من تحليل الواقع الملموس الذي واجهه الشعب الفلسطيني، وخاصة طبيعة المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استعمارياً استيطانياً مرتبطاً بالإمبريالية الغربية.

وقال “إن الجبهة الشعبية، في تحّولها بعد نكسة عام 1967، سعت إلى تجاوز الاعتماد على الأنظمة العربية، ووضع مركزية النضال الفلسطيني بيد الشعب الفلسطيني نفسه وقدرته على التنظيم والمقاومة”.

وأضاف “أن نكسة يونيو/حزيران 1967 شّكلت نقطة تحّول أساسية في فكر حبش، لأنها كشفت، في تقديره، عجز الأنظمة العربية عن تحقيق التحرير، وأكدت ضرورة أن يمتلك الشعب الفلسطيني زمام المبادرة في نضاله”.

وأوضح أن هذه الرؤية كانت من العوامل التي قادت إلى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 11 ديسمبر/كانون الأول 1967، بوصفها إطاراً سياسياً وتنظيمياً يجمع بين النضال الوطني الفلسطيني والبعد العربي والرؤية الماركسية والمناهضة للإمبريالية.

وأشار إلى حجم الكارثة الديموغرافية التي خلفتها النكبة والنكسة، مذكراً بأن نحو 800 ألف فلسطيني أصبحوا لاجئين بعد عام 1948، ونحو 300 ألف آخرين بعد عام 1967، وهو ما جعل قضية اللاجئين والعودة والتحرير عناصر مركزية في المشروع السياسي لحبش.

غسان كنفاني : الأديب والقائد السياسي

وتوقف مارتن عند شخصية الشهيد الأديب غسان كنفاني، مؤكداً أن التعامل معه باعتباره أديباً وروائياً وصحفياً فقط يحجب جانباً أساسياً من تجربته، إذ كان أيضاً قائداً سياسياً ومتحدثاً باسم الجبهة الشعبية، وأسهم في تقديم القضية الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي.

وقال “إن كنفاني يُمّثل، إلى جانب حبش، أحد أبرز رموز الكرامة والصلابة الفلسطينية ورفض الاستسلام”، مشيراً إلى أن اغتياله مع ابنة شقيقته على يد الموساد في بيروت مطلع سبعينيات القرن الماضي يجسد حجم الاستهداف الذي تعرضت له القيادات السياسية والفكرية الفلسطينية.

وأضاف أن قراءة حبش وكنفاني وليلى خالد ووديع حداد وغيرهم من رموز اليسار الفلسطيني لا تعني استعادة شخصيات تاريخية فحسب، وإنما تتيح فهم طبيعة الصراع السياسي الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

تحرير الفلسطينيين واليهود من الصهيونية

وأكد مارتن أن إحدى أكثر أفكار حبش أهمية تتمّثل في رؤيته لتحرير الفلسطينيين واليهود معاً من الصهيونية، معتبراً أن هذه الفكرة تحمل بعداً سياسياً وإنسانياً يتجاوز التصورات التي تختزل الصراع في مواجهة دينية.

وأوضح أن الصهيونية، وفق هذه الرؤية، هي مشروع استعمار استيطاني في فلسطين، وأن ربط مصير اليهود في أنحاء العالم بمشروع استيطاني يقوم على إقصاء الشعب الفلسطيني يُشّكل، في الوقت ذاته، مأزقاً سياسياً لليهود أنفسهم.

وقال “إن مشروع حبش لفلسطين الحرة كان يقوم على إقامة مجتمع ديمقراطي وعلماني يعيش فيه الجميع، بصرف النظر عن الدين أو الجنس، على قاعدة المساواة، مع ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير على كامل أرض فلسطين”.

وشدد على أن هذا التصور يقطع الطريق على محاولات تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها صراعاً دينياً أو “صراع حضارات”، مؤكداً أن جوهرها هو التحرر من الاستعمار والاستيطان والإمبريالية.

وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يمتلك إرثاً طويلاً من المقاومة، يمتد من الإضراب العام الكبير عام 1936 إلى مختلف محطات النضال وصولاً إلى المقاومة في مواجهة الإبادة المستمرة في غزة، معتبراً أن حبش يمثل إحدى الحلقات الأساسية في هذا التراث.

فلسطين في مواجهة منظومة أوسع من الاحتلال

وقال مارتن “إن المساهمة النظرية الأساسية للجبهة الشعبية تَمثّلت أيضاً في توسيع فهم طبيعة القوى التي تواجه الشعب الفلسطيني، موضحاً أن الصراع لا يجري مع إسرائيل وحدها، وإنما مع منظومة تشمل الإمبريالية الغربية وأنظمة عربية مرتبطة بها”.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وغيرها من القوى الغربية، لا تزال أطرافاً فاعلة في التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري مع “إسرائيل”، الأمر الذي، بحسب قوله، يساعدها على الاستمرار في سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني.

وأكد أن هذه القراءة تفسر أيضاً المواقف التاريخية للجبهة الشعبية تجاه الأنظمة العربية التي اختارت التطبيع مع “إسرائيل”، بدءاً من كامب ديفيد مع مصر عام 1978، مروراً بالاتفاقية الأردنية، وصولاً إلى “اتفاقيات أبراهام”.

التطبيع الرسمي لا يعكس موقف الشعوب العربية

وشدد مارتن على أن التطبيع الرسمي لم ينجح في فصل الشعوب العربية عن القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الجماهير العربية، في أغلبيتها، لا تزال ترى في فلسطين قضية مركزية.

واستشهد بالمظاهرات والفعاليات الجماهيرية التي شهدتها المغرب وتونس وعمّان وبيروت وغيرها، ولا سيما الاحتجاجات الواسعة في المغرب ضد التطبيع ودعماً للشعب الفلسطيني، معتبراً أن استمرار هذه التحركات يؤكد وجود فجوة واسعة بين مواقف بعض الحكومات ومواقف قطاعات واسعة من الشعوب العربية.

وأكد أن مواجهة التطبيع ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، وإنما مسؤولية شعوب المنطقة والقوى المناهضة للاستعمار والإمبريالية.

التضامن مع الشعب الصحراوي جزء من الرؤية المناهضة للاستعمار

وأشار مارتن إلى أن من المواقف التي تعكس شمولية رؤية حبش المناهضة للاستعمار زيارته مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، وتأكيده تضامن الشعب الفلسطيني مع الشعب الصحراوي.

وأوضح أن هذا الموقف لم يكن منفصلاً عن رؤيته السياسية، بل كان جزءاً من فهم يعتبر أن النضال الفلسطيني يتقاطع مع مختلف حركات التحرر الوطني التي تواجه الاستعمار والاحتلال والهيمنة.

العمليات الخارجية وتدويل القضية الفلسطينية

وفيما يتعلق بالعمليات التي نفذتها الجبهة الشعبية خارج فلسطين، قال مارتن “إن فهمها يتطلب وضعها في سياقها السياسي والتاريخي”، مشيراً إلى أن الجبهة اعتبرتها وسيلة لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة على المستوى الدولي، والتذكير بأن الشعب الفلسطيني طُرد من أرضه وأن العالم لا يستطيع تجاهل قضيته.

وأكد أن الجبهة تعرضت نتيجة لذلك لتجريم واسع في الدول الغربية، وأن وصفها بالإرهاب لم يكن منفصلاً عن الصراع السياسي حول القضية الفلسطينية وحول حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاستعمار.

وأشار إلى إدراج الولايات المتحدة الجبهة الشعبية على قائمة المنظمات الإرهابية عام 1997، وكذلك إدراجها على قائمة الاتحاد الأوروبي عام 2001، معتبراً أن سياسات التجريم والإدراج لا تستهدف التنظيمات الفلسطينية وحدها، وإنما تُستخدم أيضاً لعزل حركة التضامن مع فلسطين ومحاصرة الأصوات المناهضة للصهيونية والإمبريالية.

من جورج حبش إلى تجريم التضامن مع فلسطين في فرنسا

وتحدث مارتن عن تجربته الشخصية بوصفه المتحدث السابق باسم رابطة “فلسطين ستنتصر”، التي حُلّت بقرار إداري في فرنسا، معتبراً أن ذلك جاء في إطار سياسة أوسع لتجريم التضامن مع فلسطين واستهداف القوى التقدمية والمناهضة للاستعمار.

وأوضح أن استخدام قرارات الحل الإداري ضد الحركات المناهضة للاستعمار ليس جديداً في فرنسا، مشيراً إلى حل حركة “نجم شمال أفريقيا” عام 1937، ثم استخدام الإجراءات نفسها ضد منظمات جزائرية في الشتات خلال حرب التحرير الجزائرية، وكذلك ضد منظمات فيتنامية.

وقال “إن هذه الممارسات تكشف عن استخدام أدوات إدارية وقضائية لمحاولة إسكات التنظيمات السياسية والرؤى المناهضة للاستعمار، لكنه أكد أن هذه السياسة لم تتمكن من إيقاف حركة التضامن مع فلسطين”.

القمع لم يوقف التضامن بل عمّقه

وأكد مارتن أن حركة التضامن مع فلسطين في فرنسا لم تتراجع، بل ازدادت قوة وعمقاً سياسياً، مشيراً إلى اتساع حضور شعارات مثل “فلسطين حرة من البحر إلى النهر، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتحرير الأسرى الفلسطينيين”.

واعتبر أن انتشار هذه المطالب يُمّثل، من وجهة نظره، دليلاً على أن محاولات إسكات الحركة التضامنية لم تحقق أهدافها، وأن الأجيال الجديدة باتت أكثر استعداداً لمساءلة السياسات الرسمية الغربية تجاه فلسطين.

لماذا تراجع حضور حبش؟ ولماذا يعود اليوم؟

وفي تفسيره لتراجع حضور جورج حبش خلال العقود الماضية، قال مارتن “إن ذلك ارتبط بالانتكاسات التي تعرضت لها القضية الفلسطينية والحركة الوطنية، وخاصة اتفاقيات أوسلو عام 1993، التي اعتبر أنها كرست تقسيم الأرض الفلسطينية وفرضت مساراً سياسياً أضعف المشروع التحرري.

وأضاف “أن نهاية الكتلة السوفيتية غيّرت موازين القوى الدولية وأدت إلى تهميش اليسار الفلسطيني والعربي والدولي، الأمر الذي انعكس على حضور أفكار حبش والجبهة الشعبية في النقاش السياسي العالمي”.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذا التراجع لم يكن نهاية هذا التراث، مؤكداً أن حبش يعود اليوم إلى الواجهة، ولا سيما بين الشباب في فرنسا وأوروبا الذين يبحثون عن أدوات فكرية وسياسية لفهم ما يجري في فلسطين ومواجهة الإبادة الجماعية والاستعمار والصهيونية والإمبريالية.

وأشار إلى أنه قدّم خلال الفترة الأخيرة عروضاً لكتاب “لا شيء أغلى من الحرية” في فرنسا، ولاحظ أن غالبية الحضور كانوا من الشباب والشابات المهتمين بإعادة اكتشاف التراث السياسي لليسار الفلسطيني وحركات التحرر العالمية.

وأكد أن هذا الاهتمام المتجدد بحبش وكنفاني وليلى خالد ووديع حداد يعكس حاجة الجيل الجديد إلى استعادة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ليس باعتباره تاريخاً للماضي، وإنما باعتباره رصيداً فكرياً وسياسياً يمكن أن يساعد في فهم الحاضر وبناء المستقبل.

وختم مارتن بالتشديد على أن إعادة نشر نصوص جورج حبش ليست مجرد فعل تكريمي لشخصية تاريخية، وإنما هي مساهمة في إعادة فتح النقاش حول طبيعة المشروع التحرري الفلسطيني، وحول العلاقة بين الاستعمار والصهيونية والإمبريالية، وحول مسؤولية القوى المناهضة للاستعمار في العالم تجاه الشعب الفلسطيني.

وأكد أن العبارة التي حملها الكتاب، “لا شيء أغلى من الحرية”، تظل اليوم ذات راهنية خاصة، لأنها تختصر، في رأيه، جوهر النضالات التي خاضتها الشعوب من فلسطين إلى فيتنام والجزائر وسائر حركات التحرر، وتؤكد أن تحرير الشعوب وحقها في تقرير مصيرها لا يمكن أن يكونا موضع مساومة.
 

المصدر: الهدف