السؤال لم يعد افتراضيًا، ولا تعبيرًا عن غضب عابر أمام مشهد سياسي مؤلم. ما يجري في جنوب لبنان يتراكم يومًا بعد يوم، قريةً بعد قرية، وغارةً بعد غارة، وتفجيرًا بعد تفجير، فيما يبدو أن العالم قد اعتاد المشهد إلى درجة مخيفة، وكأن استباحة الأرض اللبنانية باتت خبرًا عابرًا في نشرة المساء.
والأخطر من القصف نفسه هو ذلك الصمت الذي يحيط به.
في الساعات والأيام الأخيرة، تتوالى التقارير الميدانية عن تصعيد إسرائيلي في الجنوب. وبحسب ما أوردته «بروفايل نيوز»، سُجلت غارات في كفررمان ومرجعيون ودير سريان، فيما أفاد مراسلها بتنفيذ القوات الإسرائيلية تفجيرًا في مجدل زون. كما وردت معلومات عن غارة استهدفت حولا، وعن تفجير كبير قرب حاريص بالتزامن مع قصف مدفعي على محيط دوحة كفررمان.
ثم تتسع دائرة المشهد: معلومات عن غارة بمسيّرة استهدفت فانًا عند مدخل دوحة كفررمان، وتفجير كبير في المنصوري، وتفجير آخر في زوطر الشرقية، ومشاهد توثق تفجيرًا في صربين. وفي تقرير ميداني آخر، تحدثت «بروفايل نيوز» عن غارات وقصف وتفجيرات متزامنة في عدد من المناطق، بينها صربين ومحيط تلة علي الطاهر من جهة النبطية الفوقا ومحيط القنطرة، إضافة إلى استهداف المنصوري وقصف وادي الحجير وتنفيذ تفجيرين في مدينة الخيام، بالتزامن مع تحليق منخفض للطيران الحربي في أجواء الجنوب.
قد تبدو هذه الأخبار، إذا قُرئت منفردة، مجرد سلسلة من التطورات العسكرية. لكن جمعها في صورة واحدة يكشف شيئًا أكثر خطورة: نمطًا متواصلًا من الضغط الميداني على جنوب لبنان، يجعل الاعتداء المتكرر هو القاعدة، والاستثناء هو الهدوء.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال سياسيًا وأخلاقيًا، لا عسكريًا فقط.
ماذا يعني أن تتكرر الغارات والتفجيرات في مناطق الجنوب بينما تبقى المؤسسات الدولية عاجزة عن إنتاج أي رادع حقيقي؟
ماذا يعني أن يعيش سكان القرى الجنوبية على وقع الطائرات والقصف والتفجيرات، فيما تتكرر البيانات الدولية من دون أن تتحول إلى إجراءات قادرة على وقف الاعتداءات؟
وماذا يعني أن تكون الدولة اللبنانية نفسها أمام هذا المشهد، ثم يبدو صوتها أقل من حجم الخطر؟
لا أحد يطالب بالمغامرة، ولا أحد يستخف بتعقيدات الوضع اللبناني. لكن الدولة التي لا تستطيع حماية سيادتها بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية المتاحة لها، ولا تستطيع تحويل الاعتداء على أرضها ومواطنيها إلى قضية دولية ضاغطة، تجد نفسها تدريجيًا أمام أخطر أنواع العجز: العجز الذي يتحول إلى أمر واقع.
فما يجري في الجنوب لا يمكن فصله عن الصورة الأكبر في فلسطين.
غزة تنزف، والضفة الغربية تواجه سياسات متصاعدة من التضييق والاقتلاع والعنف، وجنوب لبنان يتعرض بدوره لسلسلة من الغارات والقصف والتفجيرات. وبين هذه الجبهات، يتحول الشرق الأوسط إلى مسرح مفتوح للقوة، بينما تتراجع قواعد القانون الدولي أمام حسابات السياسة والمصالح.
المشكلة لم تعد في غياب المعلومات.
العالم يعرف.
الصور تصل إلى كل مكان. المراسلون يوثقون. المنظمات الدولية تصدر تقاريرها. الأقمار الصناعية ترصد. وسائل الإعلام تنقل. والمنصات الرقمية تجعل الحدث حاضرًا في اللحظة نفسها التي يقع فيها.
إذن، ليست المشكلة أن العالم لا يرى.
المشكلة أن العالم يرى ولا يتحرك بما يكفي.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
لأن القانون الدولي يفقد معناه عندما يصبح تطبيقه انتقائيًا. والأمم المتحدة تفقد جزءًا من وظيفتها عندما تتحول قراراتها إلى نصوص بلا أدوات تنفيذ. والدبلوماسية تفقد قيمتها عندما تصبح إدارة للأزمة بدل أن تكون وسيلة لإنهائها.
لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل خطورة: ماذا عن اللبنانيين أنفسهم؟
إلى متى يمكن أن يستمر التعامل مع جنوب لبنان وكأنه منطقة تقع خارج الاهتمام الوطني الكامل؟
الجنوب ليس هامشًا على الخريطة اللبنانية. الجنوب جزء من لبنان، وأهله مواطنون لبنانيون، وقراه وبلداته وحقوله وبيوته ليست أوراقًا قابلة للمقايضة في بازار السياسة الدولية.
ومن هنا، فإن المطلوب من السلطة اللبنانية ليس مجرد تسجيل موقف بعد كل غارة، ولا الاكتفاء ببيان إدانة جديد يضاف إلى أرشيف البيانات.
المطلوب تحويل الاعتداءات إلى ملف وطني ودولي متكامل: توثيق، تحرك دبلوماسي، ضغط سياسي، مساءلة قانونية، وتعبئة حقيقية لكل أدوات الدولة المتاحة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تقع الغارة اليوم.
الأخطر أن تصبح الغارة غدًا شيئًا طبيعيًا.
أن يصبح التفجير خبرًا عاديًا.
أن يصبح تحليق الطيران فوق القرى الجنوبية مشهدًا مألوفًا.
أن يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية

وأن يعتاد العالم على ذلك كله.
اعتياد الجريمة هو المرحلة الأخطر من الجريمة نفسها.
فحين تتكرر الاعتداءات بلا رادع، يبدأ المعتدي في اختبار حدود الممكن. وكلما لم يواجه مقاومة سياسية وقانونية ودولية حقيقية، توسعت تلك الحدود أكثر.
وهذا ما يجعل الصمت الدولي ليس موقفًا محايدًا تمامًا؛ لأن الصمت، عندما يستمر أمام تكرار الانتهاكات، يسمح للواقع الجديد بأن يتشكل تدريجيًا.
من جنوب لبنان إلى غزة والضفة الغربية، نحن أمام سؤال واحد: هل يريد المجتمع الدولي فعلًا نظامًا دوليًا تحكمه القواعد، أم أنه يقبل بنظام تكون فيه القوة هي القاعدة، والقانون مجرد استثناء؟
إن العالم لا يستطيع أن يطالب الشعوب بالثقة بالقانون الدولي، ثم يتركها ترى القانون يُطبق بصورة انتقائية.
ولا يستطيع أن يتحدث عن السلام فيما يستمر القصف.
ولا يستطيع أن يطالب بالاستقرار فيما يسمح بتكريس أسباب الانفجار.
السلام الحقيقي لا يولد من الصمت.
والاستقرار لا يولد من الخوف.
والأمن لا يمكن أن يُبنى على شعور طرف بأنه يستطيع فعل ما يشاء من دون محاسبة.
لقد آن الأوان للخروج من سياسة إدارة المأساة إلى سياسة منعها.
آن الأوان لأن تتوقف العواصم عن عدّ الغارات، وتبدأ بالسؤال: كيف نمنع الغارة التالية؟
وآن الأوان أيضًا للبنان أن يتعامل مع جنوبه لا كملف أمني مؤجل، بل كقضية سيادة وطنية لا تحتمل المساومة.
أما أهل الجنوب، الذين يدفعون ثمن هذه المعادلات منذ عقود، فلا يحتاجون إلى مزيد من البيانات بقدر ما يحتاجون إلى أن يشعروا بأن وطنهم حاضر، وأن العالم يرى، وأن القانون ليس مجرد حبر على ورق.
فإلى أين بعد؟
كم يجب أن يتسع نطاق النار قبل أن يتحرك العالم؟
وكم يجب أن يتكرر القصف والتفجير حتى يصبح واضحًا أن الأمر ليس حادثًا منفردًا، بل مسارًا يحتاج إلى وقف جدي؟
وإلى متى ستبقى الأمم المتحدة والدول الكبرى تراقب من بعيد؟
إن التاريخ لا يسجل فقط من أطلق النار.
إنه يسجل أيضًا من كان قادرًا على إيقاف النار، ثم اختار أن يكتفي بالمشاهدة.
وهنا تحديدًا، لا يعود السؤال: ماذا يحدث في جنوب لبنان؟
بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
ماذا ينتظر العالم حتى يتحرك؟

د. نبيلة عفيف غصن