قهوة مظبوط من مونتريال
جمل المحامل – الراحل سليمان منصور

لم أكن أعرف، في طفولتي، اسم الفنان الذي رسم تلك اللوحة التي زيّنت نسخة غير أصلية منها جدران منزل عائلتي لعقود طويلة. كانت معلّقة هناك بصمت، كأنها جزء من ذاكرة البيت لا مجرد صورة على الحائط.
كل ما أذكره أن والدي، رحمه الله، أحضرها ذات يوم وعلّقها في صدر غرفة الجلوس؛ تلك الغرفة التي كانت، كعادة كثير من بيوت ثمانينيات القرن الماضي، منفصلة عن باقي أرجاء المنزل، وتحظى بمكانة خاصة لأنها كانت مخصّصة غالباً لاستقبال الضيوف.
لا أدري لماذا كنت أشعر دائماً بأن شبهاً خفياً يجمع بين الرجل العجوز في اللوحة ووالدي. ربما كانت هالة الحزن المرسومة على ملامحهما، أو تلك السنوات الطويلة التي مرّت عليهما بصمت، ثم تركت أثرها العميق في أخاديد الوجهين.
وأستعيد الآن ذلك الشعور الثقيل بالانقباض الذي كان يلازمني كلما أطلت النظر إلى اللوحة. كانت تحرّك في داخلي إحساساً غامضاً بثقل ما حمله ذلك العجوز من وجع، أو ربما بثقل الحكاية التي يمثلها: حكاية شعب بدت آلامه وأحلامه مستقرة على كتفي رجل واحد.
لقد أحب والدي هذه اللوحة. وكم كنت أراه يحدّق فيها، أو يتحدث عنها، كما لو أنها اختصرت قصته هو أيضاً، أو حكاية شعب أُجبر على مغادرة وطنه، وأُرغم على العيش في أوطان الآخرين، فحمل حزنه وقدسه ومدنه ومآذنه وكنائسه في صرّة كبيرة على ظهره، وظل يردّد حكايته جيلاً بعد جيل.
وسيمر زمن طويل منذ ذلك الوقت. سيكبر الأبناء، ويغادرون منزل العائلة للدراسة ثم للزواج، وستبقى لوحة جمل المحامل معلّقة هناك، في صدر تلك الغرفة، شاهدة على تغيّر الأزمنة وتوالي المحن على ظهر هذا الشعب. قد ينحني الظهر من ثقل الأيام، ومن خذلان الأصدقاء قبل توحش الأعداء، لكن ذلك الرجل الطاعن في القدم لن يُسقط محامله، وسيظل واقفاً رغم الألم، حاضراً في ذاكرة الأبناء والأحفاد مهما طال الزمن.
لم يكن سليمان منصور، على الأرجح، يعرف أن لوحته التي رسمها في فلسطين ستسافر آلاف الكيلومترات لتحتل ذلك المكان المميّز في بيت عائلة بعيدة، وتبقى في الذاكرة رمزاً للارتباط بالوطن مهما امتدت المسافات. لكن ذلك، ربما، هو جوهر الفن العظيم: أن يتحوّل من عمل معلّق على جدار إلى مشعل للذاكرة، وقنديل للهوية، ورسالة لا تحتاج إلى خطاب كي تبلغ معناها.
لروح الفنان المبدع والإنسان سليمان منصور الرحمة، وستبقى جمل المحامل لوحة خالدة، شاهدة على أهمية الفن حين يلتصق بتراب وطنه، وحين يمنح الذاكرة وجهاً لا يغيب.
وسيأتي زمن يضع فيه هذا الرجل العجوز محامله التي أثقلت ظهره في وطنه، ليستريح أخيراً من تجوال طال بين منافٍ قريبة وبعيدة، ويفتح صرّته في وطن جميل اسمه وكنيته فلسطين.

جمل_المحامل

الفنالانسانيالخالد