أميركا عالقة بين ثلاثة حبال

ناصر قنديل

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مفتوحة على خيارات سهلة، بعدما تحولت الحرب من محاولة أميركية لفرض وقائع استراتيجية جديدة إلى مأزق يحاصر واشنطن بثلاثة حبال: العودة إلى الحرب، أو السير بمذكرة التفاهم ودفع ثمن التسوية، أو البقاء في حال اللاحرب واللاسلم مع استمرار الإغلاق العملي لمضيق هرمز. والمعضلة الأميركية أن تفادي كلفة أحدها يقود مباشرة إلى كلفة الآخر.

الحبل الأول هو الحرب التي لم تعد واشنطن قادرة على خوضها من دون مجازفة كبرى. وتتحكم بهذا الخيار ثلاثة قيود متزامنة: الأسواق، والذخائر، والمخزون النفطي. فقد أثبتت حركة الأسعار أن أي إشارة إلى التصعيد تكفي لإعادة القلق إلى أسواق الطاقة والأسهم، وقد قال اليوم الثالث عشر من الجولة الأخيرة ما يكفي مع ارتفاع سعر برميل النفط إلى ما فوق الـ 100 دولار وتسجيل أسواق الأسهم انهيارات في مؤشرات داو جونز وناسداك، عدا ما لحق سوق الذكاء الاصطناعي حيث خسرت شركة تسلا وحدها 14% من سعر السهم وخسر إيلون ماسك وحده 40 مليار دولار في يوم واحد. وفي 6 آب، ارتفع سعر برنت أكثر من ثلاثة دولارات في يوم واحد مع عودة الشكوك حول هرمز، ما يؤكد أن هدوء السوق قائم على توقع الاتفاق لا على استعادة التدفقات الطبيعية.

أما الذخائر، فقد تحولت من تفصيل عسكري إلى قيد سياسي على قرار الحرب. أطلقت الولايات المتحدة أكثر من مئتي صاروخ «ثاد»، أي أكثر من نصف مخزونها، وأكثر من مئة صاروخ من طرازي «إس إم-3» و«إس إم-6»، إضافة إلى استهلاك واسع لصواريخ «توماهوك» والذخائر الدقيقة. بينما أنفقت 1500 صاروخ باتريوت ولم يتبقَ في مخازنها إلا 1000 صاروخ فقط، ولا يستطيع الإنتاج تعويض هذه الكميات قبل سنوات.

بلوغ الاحتياطي النفطي الاستراتيجي نحو 304.8 ملايين برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983. فقد استخدمت واشنطن المخزون لشراء الوقت ومنع إغلاق هرمز من تفجير أسعار الطاقة، لكن مواصلة الحرب تعني زيادة السحب من احتياطي أصبح هو نفسه عند الخط الأحمر. وهكذا يجتمع السوق والسلاح والنفط لمنع واشنطن من المجازفة بجولة جديدة لا تملك ضمانة لحسمها أو تحديد مدتها.

الحبل الثاني هو السير بمذكرة التفاهم. وهذا الخيار يوقف استنزاف الذخائر والاحتياطيّ ويعيد الاستقرار إلى الأسواق، لكنه يفرض على واشنطن دفع ثمن استراتيجيّ لا يقتصر على هرمز. فالتفاهم العُماني ـ الإيراني الجاري استكماله ينشئ نظاماً جديداً للملاحة، تمر بموجبه أجزاء أساسية من ممري الدخول والخروج تحت السيادة الإيرانية، وينهي احتكار المسارات العُمانية لحركة السفن طوال ستة عقود. وبذلك تخرج إيران من الحرب بكلمة مقررة في المضيق لم تكن تملكها قبلها.

لكن هرمز ليس سوى الجزء البحري من الثمن. فمذكرة التفاهم تحرّر الأرصدة الإيرانية المجمدة بعدما ربطت بدء المفاوضات النووية واستمرارها بوقف حال الحرب على الجبهات، وخصّت لبنان بالذكر ثلاث مرات، وأكدت أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يناقض الالتزامات الأميركية. لذلك فإن العودة إلى المذكرة تعني تسليم واشنطن بتراجع مكانة “إسرائيل” وعجزها عن فرض نتائج الحرب، ثم إلزامها بالانسحاب من لبنان أولاً، والانتقال بعد ذلك إلى إنجاز ترتيبات الانسحاب من غزة. إنها تسوية تتضمّن اعترافاً بأن القوة العسكرية الإسرائيلية لم تعد قادرة على رسم نظام المنطقة، وأن أمن الأسواق والممرات صار يتطلب كبح “إسرائيل” لا إطلاق يدها، مقابل التسليم بدور إيراني صاعد.

الحبل الثالث هو المراوحة في منطقة اللاحرب واللاسلم. وقد يبدو هذا الخيار الأقل كلفة: لا ضربات تستنزف الذخائر، ولا اتفاق يفرض على “إسرائيل” الانسحاب، ولا تنازل أميركي معلن لإيران. لكنه لا يقدم حلاً لمشكلة هرمز. فإيران تقول بوضوح إن التفاهم مع عُمان لا يعني تلقائياً فتح المضيق، وإن دخوله حيّز التنفيذ مشروط بعودة واشنطن إلى التزاماتها، ومنها وقف الحرب والحصار البحري ومعالجة العقوبات والأموال المجمّدة واستقرار جبهة لبنان.

لذلك تعني المراوحة بقاء المضيق مغلقاً أو شبه مغلق، وبقاء حركة السفن والصادرات دون مستوياتها الطبيعيّة. وقد ترتاح الأسواق أياماً بسبب توقف الغارات، لكن غياب الاتفاق يُعيد القلق سريعاً، فتزداد أسعار النفط وكلفة التأمين والشحن، وتضطر واشنطن إلى مواصلة السحب من احتياطها الاستراتيجي. وبذلك تحصل أميركا على أعباء الحرب الاقتصادية من دون حرب، وتدفع كلفة الأزمة من دون أن تحصل على مكاسب التسوية.

الحبال الثلاثة تلتفّ حول القرار الأميركي: حرب لا تستطيع واشنطن تحمّل تداعياتها، وتسوية تفرض عليها الاعتراف بخسارة استراتيجية تمتد من هرمز إلى مكانة “إسرائيل”، ومراوحة تبقي المضيق مغلقاً وتعيد ضغط الأسواق واستنزاف النفط. وقد نجحت إيران في جعل الوقت يعمل لمصلحتها، فإذا ذهبت أميركا إلى الحرب دفعت الثمن فوراً، وإذا ذهبت إلى الاتفاق سلمت بنتائج الحرب، وإذا بقيت مكانها دفعت كلفة الإغلاق يوماً بعد يوم.