تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية مأزقاً هيكلياً يعيد رسم خارطة النفوذ والعمل الجماهيري داخل ساحتها السياسية؛ إذ أدى التراجع الحاد في تمويل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى شلل واضح في أدائها الميداني وقدرتها على التعبئة الشعبية. هذا التراجع لم يكن مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحول بمرور الوقت إلى تبعية شبه كاملة للمؤسسات الفصائلية على التمويل المشروط والمقرر مباشرة من الرئاسة الفلسطينية، مما أفقد العديد من القوى استقلاليتها السياسية وقدرتها على اتخاذ مواقف معارضة للنهج الرسمي، لتصبح معظم هذه الفصائل رهينة في يد النخبة المختطفة لحركة فتح من تيار أوسلو ورجال رأس المال .

ولنسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية، فعذراً لم يعد هناك مجال للمجاملات؛ فكلما زادت جذرية هذه الفصائل ورفضها الانقياد مع المشروع الصهيوني، زادت البغضة والعقوبة من قبل وكلائه الحريصين على وأد أي نفس ثوري يقوض ركائز التنسيق ومصالح النخبة المنتفعة.

وتتجلى الأزمة المالية بوضوح عند النظر إلى سياسة “قطع المخصصات” كعقاب سياسي؛ حيث حُرمت عدة فصائل رئيسية من مستحقاتها المالية منذ سنوات. وفي مقدمة هذه القوى، تبرز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي دفعت ثمناً باهظاً نظير صلابة مواقفها الجذرية، ورفضها المساومة على الثوابت الوطنية، وتصديها لنهج التنازلات السياسية. وبسبب هذا الموقف الثوري الراسخ وانحيازها  الدائم لخيار المقاومة وانخراطها به واهتمامها بنبض الشارع والطبقة الكادحة التي سحقتها الرأسمالية، تواجه الجبهة الشعبية قطعاً كاملاً لمخصصاتها المالية منذ مطلع عام 2016 بقرار رئاسي مباشر. ورغم محاولات الحصار المالي لكسر إرادتها السياسية، إلّا أنها ظلت متمسكة بهويتها الكفاحية. وعلى ذات الدرب من الصمود والرفض للهيمنة، تلتحق بها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي لم تتلقَ مخصصاتها المالية منذ نحو عامين كعقاب على مواقفها التي ترفض الاستفراد بالقرار الوطني،وتبنيها لخيار المقاومة، تليها المبادرة الوطنية الفلسطينية التي تمسكت بخطها الوطني المستقل ورفضت الانصياع للاملاءات المالية، مما يعكس توظيف المال السياسي كأداة للضغط وفرض الرؤى السياسية الأحادية داخل أطر المنظمة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية للخطاب الوطني والقومي واليساري الكفاحي الذي تمثله هذه الفصائل، وهو الخطاب الذي يشكل رافعة كبرى وإسناداً حيوياً للمقاومة، وخاصة لحركة حماس؛ إذ يمثل الرد الحاسم والمباشر على الرواية الصهيونية والغربية الزائفة التي تدعي وتسوّق بأن غزة “مختطفة من قبل حماس الإرهابية”. إن الحضور الميداني والسياسي الفاعل لهذه القوى المتنوعة يبرز للعالم أجمع أن ما يجري هو حرب تحرير شعبية شاملة، يخوضها الشعب الفلسطيني بأكمله، وبكافة تفرعاته وتياراته الفكرية والسياسية، سواء كانت دينية، أو وطنية، أو قومية، أو يسارية، ملتحمين معاً في خندق المواجهة دفاعاً عن الوجود والحق التاريخي، وهذا الدور بالإضافة إلى أدوار أخرى يزعج كثيرا العدو والحزب الشمولي و”الأخ الأكبر”.

هذا الحصار المالي المستمر، وفي ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية والسيئة التي يعيشها الشارع الفلسطيني، انعكس سلباً وبشكل مباشر على الحضور الميداني لهذه الفصائل؛ حيث أضعف من قدرتها على تمويل أنشطتها الجماهيرية وتلبية احتياجات حاضنتها الشعبية، مما أدى بالتالي إلى تراجع ملموس في نفوذها وقدرتها على الحشد الشعبي وسط مجتمع يئن تحت وطأة الأزمات المعيشية المتلاحقة ويفتقر للمقومات الأساسية للصمود.

على الصعيد المؤسساتي، يبرز الصندوق القومي الفلسطيني بوصفه الجهة الرسمية المسؤولة تاريخياً عن توزيع موازنات مؤسسات وفصائل منظمة التحرير، وذلك بعد تلقيه الأموال المحولة من السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، فإن دور الصندوق القومي تقلص بشكل حاد بعد إنشاء السلطة؛ إذ تراجعت مكانته المستقلة وأصبحت موازنته تندرج ضمن الموازنة العامة للسلطة دون الإفصاح عن تفاصيلها أو بنود صرفها.
هذا الدمج أدى إلى غياب الشفافية، وحوّل الصندوق من مؤسسة وطنية جامعة إلى ملحق مالي خاضع للحسابات السياسية الضيقة للسلطة التنفيذية.

وما يزيد المشهد تعقيداً هو غياب الرقابة والمساءلة؛ فالبيانات المالية المنشورة من قِبل وزارة المالية لا تتضمن أي تفاصيل حول موازنة الصندوق القومي أو آليات الرقابة عليها. ويحدث هذا التعتيم المالي بالرغم من أن ديوان الرقابة المالية والإدارية يمتلك الاختصاص القانوني الأصيل لمتابعة هذه الأموال والتدقيق فيها. إن استمرار هذا التغييب الرقابي يكرّس حالة التغول وبسط السيطرة المالية على الفصائل، مما يهدد بإنهاء التعددية السياسية داخل منظمة التحرير، ويحولها من جبهة وطنية عريضة تحمي الحقوق التاريخية الشعبية، إلى كيانات تعتمد في بقائها على “الرضا الرئاسي” فقط.

إن تحول منظمة التحرير الفلسطينية من مظلة جامعة للمشروع التحرري إلى أداة تُوظفها النخبة الحاكمة لشرعنة مصالحها الضيقة، يمثل أخطر التحولات الهيكلية في القضية الفلسطينية. حيث لقد جرى تدجين الشرعية التاريخية للمنظمة وتحويلها إلى رافعة سياسية ومالية لحماية بقاء ‘الكمبرادور الأولغارشي’ المرتبط عضوياً بالوضع القائم.

ختاماً، وأمام كل محاولات التدجين بالمال وشراء المواقف؛ فالرهان سيبقى على  الحاضنة الشعبية وصمود القوى الحية التي ترفض سياسات الخنوع والتي مستلهمةً في مسيرتها المقولة الخالدة للشهيد الرفيق القائد أبو علي مصطفى:

“إن المتاريس عديدة، التي تستحق الدفاع عنها.. وهذه المتاريس ما زالت تنتصر، وخسئ العدو إذا اعتقد أن متاريسنا انهارت.. فمتاريسنا باقية بعزيمتكم، بقوتكم، بإرادتكم.. فنحن الشعب المقاوم.. نحن الشعب المقاوم..”

أبو الأمير_ القدس