أشعة النور الإلهي: المولد النبوي الشريف وتجلي الرحمة المهداة في وجدان الأمة
نبيل الجمل
تشرق الشموس وتأفل، وتتجدد الأيام وتخبو، وتظل تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي بزغ فيها فجر الوجود بمولد خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، النقطة الفاصلة في تاريخ البشرية، واللحظة التي استدار فيها الزمان ليعلن ميلاد النور وهداية البشرية من ظلمات العماية إلى ضياء الحق.
إن المولد النبوي الشريف ليس مجرد معبر زمني يعود بنا إلى الوراء، بل هو تجددٌ روحيٌّ ودفقٌ إيماني يلامس شغاف القلوب المستهامة بحب المصطفى. لقد أجمع علماء الأمة وعارفوها على أن الفرح بظهوره صلى الله عليه وآله وسلم واعتلاء منابر الاحتفاء بمولده مسألة تتصل بصلب الشكر للمنعم جل وعلا؛ فكما أن الله تعالى أمرنا بالفرح برحمته وفضله في قوله عز وجل: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ”، فإن النبي الأعظم هو تجسيد الرحمة الإلهية المهداة للكون أجمع، والابتهاج بيوم مولده واستحضار شمائله وتعطير المجالس بسيرته البهية وتزيين دور الإسلام وأزقتها بأباهي مظاهر الفرح والسرور، إنما هو استجابةٌ طبيعية لفطرةٍ تفيض بالحب والوفاء، وتعكس قدر المغرس الشريف في قلوب المؤمنين.
ولم يكن الشعراء والأدباء على مر العصور إلا لسان الأمة الناطق وشعورها الفوار في هذه المناسبة العظيمة؛ إذ استفرغوا وسعهم وشحذوا قرائحهم لسبك أبلغ المدايح وأدق الوصف في صاحب الذكرى. فها هو الشاعر حسان بن ثابت، شاعر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يقف في حضرة النبوة صادحاً بأعذب الألفاظ وأجل المعاني في بيان كماله ومولده الميمون:
وأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني … وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءاً مِن كُلِّ عَيبٍ … كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ
ولم يكن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري بأقل اشتعالاً وحباً حين استلهم من نور المولد عظمة هذه الذكرى الخالدة، يرسم فيها أثر الفجر المحمدي الذي بدد ظلمات الجهل وأحيا النفوس، قائلاً في رائعته عن المولد الشريف:
تَغَنَّى بِكَ الصُّبْحُ حَتَّى انْجَلَى … زَمَانٌ بِغَيْرِكَ لا يُجْتَلَى
وَبُورِكْتَ مِنْ أَمَلٍ لِلْوُجُودِ … يُفَاضُ حَيَاةً وَيُهْدَى هُدَى
وعلى منوال الشعر، انثال سكب الأدباء والمثقفين مفكرين ومبدعين، يسجلون أحاسيسهم ورؤاهم في هذه الذكرى المعطرة؛ فرأوا في الاحتفال بمولده تجديداً للعهد النبوي الشريف، واستعادةً لمعاني النخوة والعدل والرحمة التي أرسى دعائمها في الأرض. فقد كتب الأديب الكاتب مصطفى صادق الرافعي معبراً عن هذا الوجدان الصافي بمقطوعات تعزف على أوتار القلوب، متأملاً أن يوم المولد الشريف هو اليوم الذي وُلدت فيه الإنسانية الحقيقية، وأن الاحتفاء به يتجاوز الشكليات ليكون استحضاراً للمثل العليا وتطهيراً للنفوس من أوضار الزيف. كما أكد المفكرون المعاصرون أن إحياء هذه المناسبة وتزيين المدن بالأنوار، وإطعام الطعام، ونشر معالم البهجة بين الصغار والكبار، يُشكل مظهراً حضارياً ورمزاً للهوية الروحية، ورداً بليغاً على جفاف المادية المعاصرة بإشاعة روح المحبة والسلام التي بعث بها صاحب الذكرى.
إن الوفاء لهدى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يتجلى في أبهى صوره حين تجتمع الألسن على الصلاة عليه، وتتآلف القلوب على التأسي بأخلاقه العلية، وتتزين الآفاق بالأنوار تعبيراً عن البهجة بهذا النور الذي لم ولن تشرق الشمس على مثله. فسلامٌ عليك يا علم الهداية ويا رحمة الله للعالمين، يوم وُلدت ويوم بُعثت ويوم تُبعث حياً، وما تعاقب الليل والنهار إلا وجدد في الأرواح عهد المحبة والمودة والشوق لقربك.
