إسبانيا في وجه الضغوط: عندما تدفع مدريد ثمن شجاعتها في نصرة غزة والوقوف ضد “إسرائيل”
نبيل الجمل
تعيش إسبانيا اليوم على وقع تطورات سياسية ودبلوماسية متسارعة جعلت منها إحدى أكثر الدول حضوراً على الساحة الدولية. وفي الوقت الذي تواصل فيه مدريد اتخاذ مواقف تاريخية ومبدئية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني والوقوف بوجه الحرب على غزة، تشهد أروقتها السياسية وحدودها الشمال أفريقية ضغوطاً متزايدة. تتقاطع أزمة المهاجرين في مدينة سبتة مع التوترات الدبلوماسية الحادة مع حكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية، في المشهد الذي يقرأه العديد من المراقبين بأنه ضريبة سياسية وأمنية للدور الإسباني المتقدم في الشرق الأوسط.
تعتبر مدينة سبتة إحدى أشد النقاط سخونة على مستوى تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، حيث سجلت الأجهزة الأمنية عبور أو محاولة عبور نحو ستين ألف مهاجر غير نظامي، مما أدى إلى حالة استنفار وأزمة لوجستية وأمنية كبيرة على السلطات الإسبانية المحلية والمركزية. ورداً على ذلك أعلنت حكومة مدريد الدفع بوحدات من القوات المسلحة لتعزيز الحدود، وقامت وزارة الداخلية بإعادة أكثر من ثمانية وأربعين ألف مهاجر، مع إنشاء مراكز استقبال مؤقتة للتعامل مع الحالات الإنسانية. ومن جانبه وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الأحداث بأنها انتهاك لسلامة الأراضي الإسبانية، مشيراً إلى أن شبكات الاتجار بالبشر وقوى مختلفة استغلت قراءات قانونية محرّفة لتشجيع عمليات العبور المكثفة بغية إحداث إرباك أمني وسياسي.
وقد تزامنت هذه الأزمة الحدودية مع تصاعد الخلافات الدبلوماسية بين مدريد وتل أبيب، مما فتح الباب أمام اتّهامات وتحليلات تفيد باستغلال إسرائيل لأزمة المهاجرين كأداة للضغط والانتقام السياسي. وفي هذا السياق علّق وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي على انتقادات وتصريحات شخصيات مقربة من تل أبيب بعبارته الدالة بأن كل شيء أصبح أكثر وضوحاً، في إشارة إلى المحاولات الخارجية للانتقام الدبلوماسي. كما أشارت الخبيرة السياسية الإسبانية كارولينا ألونسو إلى أن ما يجري في سبتة يُحتمل أن يكون محاولة من حكومة نتنياهو لإضعاف الحكومة الإسبانية والحصول على ورقة ضغط أمنية داخلية رداً على مواقف إسبانيا الصارمة ضد العدوان على غزة، بينما لفت إعلاميون إسبان، مثل خوسيه فيزنر، إلى سلوكيات وتصريحات شخصيات محسوبة على اليمين الإسرائيلي تلمح لدعم جهات أو تحركات تهدف لإرباك إسبانيا في ملفات الحدود والمناطق الحساسة.
ولم تكن هذه الضغوط السياسية والأمنية لتثني بيدرو سانشيز وحكومته عن اتخاذ قرارات تاريخية غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي دعمًا للحق الفلسطيني. ففي الثامن والعشرين من مايو عام ألفين وأربعة وعشرين، أعلنت إسبانيا رسمياً اعترافها بالدولة الفلسطينية بالتنسيق مع أيرلندا والنرويج، مؤكدة أن ذلك يعد مسألة عدالة تاريخية وشرطاً أساسياً لتحقيق السلام المستدام. كما اتسمت تصريحات سانشيز بالجرأة؛ حيث أدان القتل العشوائي في غزة من أمام معبر رفح وفي المحافل الدولية، مشدداً على أن العمليات العسكرية تجاوزت حدود الدفاع عن النفس إلى الانتهاك الصريح للقانون الدولي الإنساني. وإلى جانب ذلك اتخذت مدريد قراراً بمنع تصدير الأسلحة لإسرائيل، وحظرت رسو السفن المحملة بالشحنات العسكرية المتجهة إلى تل أبيب في الموانئ الإسبانية، مع رفع مساهماتها المالية لمنظمة الأونروا لمواجهة حملات التشويه، وإعلان انضمامها الرسمي للدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية.
ولم تكن سياسة سانشيز معزولة عن تطلعات الشارع الإسباني، بل عبّرت عن نبض شعبي وسياسي واسع. فقد خرجت شوارع مدريد وبرشلونة وإشبيلية في مسيرات ومظاهرات حاشدة وبشكل مستمر، مطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل وفرض عقوبات عليها، بالتوازي مع حراك طلابي شهدته الجامعات الإسبانية عبر اعتصامات ومخيمات طلابية طالبت بإنهاء أي تعاون أكاديمي أو بحثي مع المؤسسات والشركات الإسرائيلية. كما حظي هذا التوجه المناهض للعدوان الإسرائيلي بتأييد كاسح من أحزاب الائتلاف الحاكم مثل حزب سومار وأحزاب اليسار، مما منح الحكومة قاعدة صلبة ومستقرة لمواصلة سياساتها.
تُظهر القراءة الشاملة للأحداث الأخيرة أن إسبانيا باتت تدفع ثمن موقفها الأخلاقي والدبلوماسي المتقدم؛ فمواقفها الجريئة في نصرة غزة والاعتراف بدولة فلسطين جعلتها هدفاً للضغط والابتزاز السياسي، سواء عبر ملف الهجرة في سبتة أو التوترات الدبلوماسية. ومع ذلك، يثبت الواقع الإسباني حكومة وشعباً أن الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان هو خيار استراتيجي ومبدئي لا تخضعه مدريد للمساومات أو الضغوط الخارجية.
