في يوم الخميس الموافق 23 يوليو 2026، غيّب الموت المناضل الياباني كوزو أوكاموتو عن عمر يناهز 78 عاماً، في الضاحية الجنوبية لبيروت. وأعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كانت ترعاه وتحميه لعقود، نبأ رحيله بعد معاناة طويلة مع المرض. وبهذا الراحل، تطوى صفحة من أنبل صفحات التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، صفحة كتبها ياباني حمل السلاح دفاعاً عن أرضٍ ليست أرضه، وآمن بأن النضال من أجل الحرية لا يعرف حدوداً.
المولد والنشأة
ولد كوزو أوكاموتو في السابع من ديسمبر عام 1947 في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان، لأسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وكان أصغر ستة إخوة. درس علم النبات في جامعة كاغوشيما، لكنه تميز بين أقرانه بذكائه اللغوي الفذ، إذ تعلّم الإنجليزية والعبرية والعربية والصينية والروسية في وقت قياسي.
الانخراط في النضال
في عام 1966، انضم أوكاموتو إلى الجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم يساري متطرف كان على ارتباط بالقضية الفلسطينية. وفي فبراير 1971، غادر اليابان متوجهاً إلى لبنان، حيث التحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هناك، اعتنق الإسلام وغيّر اسمه إلى “أحمد الياباني”، وهو اللقب الذي عُرف به بين رفاقه في المقاومة.
عملية مطار اللد
في 30 مايو 1972، نفذ أوكاموتو مع اثنين من رفاقه في الجيش الأحمر الياباني عملية نوعية هزّت العالم. وصل الثلاثة إلى مطار اللد (بن غوريون حالياً) قادمين من روما على متن طائرة فرنسية، وبعد استلام حقائبهم التي كانت تحوي بنادق وقنابل يدوية، أطلقوا النار بشكل عشوائي. أسفر الهجوم عن مقتل 26 شخصاً وإصابة العشرات. استشهد الرفيقان المرافقان لأوكاموتو في العملية، فيما أصيب هو بجروح وأُسر.
الأسر والإفراج
حكمت محكمة إسرائيلية على أوكاموتو بالسجن المؤبد ثلاث مرات، وقضى في سجون الاحتلال 13 عاماً. في عام 1985، أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل والفلسطينيين. بعد الإفراج عنه، انتقل إلى لبنان حيث منح حق اللجوء السياسي، ليصبح أول شخص يحصل على هذا الحق في بلد لا يطبّق رسمياً سياسة اللجوء.
سنوات اللجوء في لبنان
عاش أوكاموتو في لبنان تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وظل مطلوباً دولياً، إذ وضعت واشنطن مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه. ورغم طلبات اليابان المتكررة لتسليمه، رفضت بيروت ذلك مراراً. كان يظهر نادراً في المناسبات العامة، وآخرها كان في مايو 2022، عندما شارك في إحياء الذكرى الخمسين لعملية مطار اللد في مقبرة بيروت.
كلمة الوداع
قالت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيان نعيها: إن رحلة أوكاموتو “اتسمت بتضحيات جسيمة امتدت لعقود على ساحات النضال دعماً للقضية الفلسطينية”، وإنه “لم يرضخ ولم يتردد بل ظل ثابتاً على مبادئه”.
رحم الله “أحمد الياباني”، ذلك الغريب الذي جعل من قضية فلسطين قضيته، ومن دمه فداءً لأرض المقدسات. إن رحيله ليس نهايةً، بل هو محطةٌ في مسيرة نضالٍ لن تتوقف، تذكّرنا بأن صوت العدالة لا يصمت، وأن التضامن الإنساني مع الحقوق المغتصبة يبقى خالداً، مهما تطاول الزمن.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
