في المشهد السردي العربي المعاصر، نادراً ما نجد نصوصاً تنجح في تقديم تشريح مجهريّ للبنية الاجتماعية والسياسية بمثل هذه البساطة والعمق والوضوح المباشر. يضعنا الكاتب الدكتور محمد أبو ناموس في روايته الأخيرة وشوشات في المضافة الصادرة عن منشورات دار بعل في دمشق، أمام سردية ذات طابع رمزي مكثف، تستعير من البيئة العشائرية فضاءاتها التقليدية لتعيد إنتاج صراع كوني يتمحور حول السلطة، الغريزة، وهندسة الجهل الاجتماعي.

تمثل رواية وشوشات في المضافة تجربة أدبية تنتمي إلى الأدب الشعبي الساخر، لكنها تتجاوز حدود السخرية لتصبح مرآةً تعكس واقع المجتمع العربي بكل تناقضاته وصراعاته الداخلية.

إنها دراسة أدبية واجتماعية في سيكولوجية الاستبداد المحلي، تُبرز كيف يمكن لـسمسار فتنة ذكي أن يقوض مجتمعاً بأكمله عبر اللعب على أوتار النرجسية الهشة لـلوجهاء.

المضافة في الخيال الشعبي والأنثروبولوجي ليست مجرد مكان للجلوس، بل هي رمز للحكمة والسلطة الشعبية، حيث يجتمع كبار القوم ويتداولون شؤون الحياة. هي رمز الحكمة، القضاء العشائري، وفض الخصومات والنزاعات. لكن الكاتب هنا يعيد تفكيك هذا الرمز ليحوله إلى مسرح للعبث الخاضع للتوجيه فلم تعد المضافة مكاناً لإنتاج السلم الأهلي، بل تحولت إلى بؤرة لتصفية الحسابات والنميمة المنظمة بتدبير من أبي صابر.

ثنائية الهدوء والفتنة عندما تبدأ رياح السلام بالهبوب، يتدخل الكف المظلم لأبي صابر لإشعال النار مجدداً، الفتنة بالنسبة للمستبد هي شرط للبقاء، والوئام والاتفاق بين الأطراف هو إعلان لانتهاء صلاحيته الوظيفية كـمصلح عشائري.

وفي بنية الفنية تعتمد الرواية في معظمها على الحوار الممسرح، وهو أسلوب يضفي حيوية على النص ويجعل القارئ جزءاً من النقاش الدائر في المضافة. هذا الأسلوب يتيح للكاتب أن يطرح أفكاره بشكل مباشر، لكنه في الوقت نفسه يترك مساحة واسعة للقارئ للتفكير والتأويل والنقد.

وهي ليست مجرد سرد قصصي، بل هي نقد اجتماعي وسياسي لواقع مليء بالنفاق وفقدان القيم. الكاتب يطرح أسئلة وجودية حول الهوية والانتماء، ويكشف عن أزمة الأخلاق في زمن تغلب فيه المصالح الشخصية على المبادئ. تجمع بين المتعة الفنية والرسالة الفكرية، مما يجعلها نصاً يجذب القارئ ويحفزه على التفكير.

يقسم الكاتب شخصياته ببراعة إلى ثلاث فئات رئيسية تؤدي أدوارها بتناغم مأساوي.

في البداية نرى أبا صابر صناع الألعاب ومحيك المؤامرات مؤججاً للفتن فهو ليس مجرد شرير تقليدي، بل هو نموذج الميكافيلية الشعبية، يصفه الكاتب برأس كبير ينافس فيه رأس العجل المنحرف والشاذ عن القطيع. يمتلك قدرة فائقة على تغيير الأقنعة حيث يتظاهر بالحرص والاطمئنان على العائلات، بينما يخفي في صدره رغبة عارمة في دفع الجميع نحو الهاوية. وهو يتقن فن إدارة الفتن وإطفائها، يمارس لعبة مزدوجة، يشعل النار بين وجهاء المضافة ثم يتدخل لحلها ويقود الوفود الصلحية ويظهر بمظهر الزعيم المهاب والمنقذ.

ثم يتحفنا الكاتب بفئة النخبة الجوفاء وهم الوجهاء التقليديون، عنبر وضبعان وصقر وبخيت، فهم يمتلكون المال والمكانة الاجتماعية التي تعطيهم السلطة والنفوذ، لكنهم يفتقرون إلى الوعي النقدي حيث يتم الإيقاع فيما بينهم بكل سهولة.

يبسط الكاتب عجزهم الفكري في سرعة استثارتهم بأبسط العبارات والتنابز اللفظي والتشكيك في قيم بعضهم البعض. فيتحول كبرياؤهم إلى سلعة يشتريها أبو صابر بمديح كاذب، ويدفعون في سبيلها مبالغ طائلة تفوق طاقاتهم دون أن يدركوا أنهم يمولون سجنهم بأنفسهم.

أما الفئة الثالثة من الشخصيات فهم الحاشية الجديدة أو دعنا نسميها سطلة القاع وهم النخبة البديلة التي تفرزها الخيانة وتدهور القيم، ويمثلها زعل وعبدو وطراد ومطرود وعفتان، وهم أشخاص مجردون من الكرامة الفكرية، يدينون بالولاء المطلق لمن يقدم العطايا والفتات.

يقدم الفصل العاشر والحادي عشر نقداً سياسياً لاذعاً لتحالف رأس المال القذر مع السلطة الفاسدة
فنرى أبا صابر يوظف الخصومات ويجند الوجهاء للوقوع في فخه، يتحالف مع الباشا الذي يستعرض القوة الأمنية ويهدد بالتعنيف ويقايض الإفراج بالرشاوي. هذا التحالف الذي أدى إلى نهب مدخرات الوجهاء وإخضاعهم الكامل للتعهدات المشروطة بكفالة أبي صابر نفسه.

تظهر لغة الحوار بين الاثنين مفعمة بالنفاق والسخرية؛ فالوجهاء في نظرهما مجرد حوش وأوباش تُستنزف أموالهم لتتحول إلى ولائم فاخرة تأكل بوحشية وبربرية.

رواية وشوشات في المضافة مليئة بالرمزية والجماليات الأدبية. فقد استند الكاتب إلى أسلوب رمزي واقعي مشبع بالاستعارات البيئية والحيوانية لإبراز السقوط القيمي فنراه يرمز للنهب بطقوس الطعام حيث يتكرر مشهد المنسف وطبخ الخراف وأكل اللحم بالسمن البلدي بشراهة ونهم. الطعام هنا ليس دليلاً على الكرم، بل هو رمز مادي لالتهام الحقوق، وطقس لتمرير الصفقات القذرة، وجوع حيواني يعكس الخواء الروحي للمتحالفين.

كما تبرز الرمزية الحيوانية واضحة في أسماء الشخصيات حيث استخدام صقر وضبعان مثلاً ليس مجرد اختيار للأسماء، بل هو إحالة واضحة لـغابة اجتماعية تخلت عن القانون المدني واحتكمت لغرائز الافتراس.

وتبرز السخرية في العقد العشائري حيث تم إجبار الوجهاء على كتابة تعهدات لدى رئيس العسس بكفالة أبي صابر يعكس سخرية القدر حيث يصبح الجلاد الفعلي هو الضامن القانوني للضحية.

تمثل الخاتمة قمة النضج التعبيري في الرواية. إن استبدال الوجهاء التقليديين بزعل وحاشيته هو تصوير دقيق لـفكرة (حكم الأسوأ)

لقد تلاشت المضافة القديمة بوجاهتها المزيفة لتحل محلها مضافة أكثر انحطاطاً، تُدار بالكامل من خلف الكواليس بواسطة أبي صابر. فمشهد قراءة الفاتحة على روح المضافة أثناء تناول “فتة المقادم والكرشات ورأس منزوع النخاع يحمل دلالة سوداوية عبقرية وهي أن النخبة الجديدة ما هي إلا نخبة بلا نخاع، بلا وعي أو مبادئ، مستعدة للطاعة العمياء.

رواية وشوشات في المضافة عمل أدبي يجمع بين السخرية والجدية، بين الواقع والرمز، لتقدم للقارئ لوحة نقدية ساخرة لكنها عميقة، تدعو إلى إعادة التفكير في قيمنا وممارساتنا اليومية. إنها ليست مجرد حكاية تُروى في المضافة، بل هي صرخة أدبية في وجه النفاق الاجتماعي والسياسي.

تنتهي الرواية بمفارقة لغوية، فعبارة (الحدوتة لم تستكمل فصولها، ما زالت في طور الحمل) يعيد الكاتب من خلال هذه الجملة صياغة رؤيته الفلسفية للتاريخ البشري وهي أن الاستبداد والجهل الاجتماعي هما دورتان متكاملتان لا تتوقفان عن الولادة وإعادة إنتاج نفسيهما طالما ظلت القواعد الشعبية تعيش عقلية “القطيع.

المخرج الفلسطيني عماد البيتم/بوابة الهدف الإخبارية