في مشهد سياسي غير مألوف، وبلسان يقطر تحدياً وجرأة، فجّر نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، قنبلة سياسية ثقيلة العيار خلال استضافته في بودكاست جو روغان. التصريحات التي أدلى بها فانس لا تمثل مجرد خلاف عابر في وجهات النظر، بل هي إعلان حرب علني على مراكز النفوذ واللوبيات الموالية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وكسر صريح لـ “التابوهات” (المحرمات) السياسية التي فرضت هيمنتها عقوداً طويلة على القرار الأمريكي.
​1. تفكيك شبكة الاختراق: حكومة أجنبية تشتري ضمائر أمريكية
​لم يعد الحديث هنا عن “تكهنات” أو “تحليلات خلف الكواليس”، بل نقل فانس المعركة إلى العلن مستنداً إلى وثائق وتحقيقات نشرتها مجلة “تايم” العريقة. الخطورة الكامنة في تصريحاته تكمن في كشفه عن حملة سرية ممولة بسخاء تقودها جهات داخل الحكومة الإسرائيلية.
​ولكن الصدمة الكبرى التي أشار إليها فانس تتمثل في آلية التنفيذ: استغلال وتجنيد شخصية سابقة من داخل حملة دونالد ترامب نفسها! هذا الاختراق المباشر يوضح كيف تحاول قوى خارجية التلاعب بالداخل الأمريكي، ليس عبر الضغط الدبلوماسي المشروع، بل من خلال “شراء” الولاءات وتوجيه ضربات طعن في الظهر لضرب أي توجه نحو التهدئة والدبلوماسية.
​2. استراتيجية “الشيطنة” وتشويه السمعة: حرب اللوبي القذرة
​حلل فانس بوضوح الأسلوب الذي تتبعه هذه المنظومة المموّلة عند مواجهة أي سياسي يعلي مصلحة بلاده؛ حيث يتعرض لحملة شرسة وممنهجة تشمل:
​تسريبات موجهة للصحفيين تهدف إلى اغتيال الشخصية معنوياً.
​حملات ضخمة على وسائل التواصل الاجتماعي لبث الأكاذيب.
​توجيه اتهامات بالعمالة لدول أخرى مثل قطر، أو الادعاء بأنه مجرد تابع لأصوات إعلامية مثل تاكر كارلسون.
​الهدف من هذه الآلة التضليلية واضح: إرهاب القادة الأمريكيين وإجبارهم على تبني خيار “الحرب الأبدية” والمستمرة ضد إيران، ورفض أي تسوية سياسية، حتى لو كانت هذه التسوية تخدم المصالح الحيوية الأمريكية.
​3. المصلحة الأمريكية الحيوية ضد عقيدة “الحروب اللانهائية”
​يضع فانس إصبعه على الجرح الاستراتيجي لأمريكا: ما هي المصلحة الأمريكية أصلاً؟
وفقاً لرؤية فانس (والتي ينسبها للرئيس الأمريكي)، فإن الأهداف الأمريكية واضحة ومحددة: منع إيران من حيازة سلاح نووي، وضمان التدفق الحر والآمن للنفط والغاز لضمان الاستقرار الاقتصادي.
​بالمقابل، تريد اللوبيات الصهيونية المموّلة جرّ الجيش الأمريكي ونزف الخزانة الأمريكية في حروب لا تنتهي في الشرق الأوسط. هنا يظهر التضاد الصارخ بين “الواقعية السياسية الأمريكية” التي تمثلها أجندة “أمريكا أولاً”، وبين “التبعية العمياء” لمصالح تل أبيب.
​4. “اذهبوا إلى الجحيم”: خطاب الاستقلال الأمريكي الجديد
​لعل الذروة النارية في هذه التصريحات هي العبارة التي وجّهها لأصحاب هذه الحملات المموّلة: “اذهبوا إلى الجحيم” (Go to hell).
​هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن الغضب، بل هي بيان استقلال سياسي جديد. فانس يعلن بوضوح: “أنا أمثّل الشعب الأمريكي أولاً وأخيراً”. إنه يرسل رسالة حاسمة ومفادها أن زمن الابتزاز السياسي والرضوخ لإملاءات القوى الخارجية، حتى لو كانت حليفة، قد ولى بلا رجعة.

​هذه التصريحات تمثل انعطافة تاريخية في الفكر السياسي المحافظ في أمريكا. إنها تثبت أن التيار الجديد داخل الحزب الجمهوري يرفض أن تكون أمريكا “أداة” لتنفيذ أجندات حروب أجنبية. جي دي فانس، بتحديه الصارخ وإطلاقه النيران السياسية باتجاه الممولين المرتبطين بالحكومة الإسرائيلية، يضع قواعد جديدة للعبة: مصلحة المواطن الأمريكي أولاً، ومن يقف في طريق هذا التوجه… فليذهب إلى الجحيم.
د. نبيلة عفيف غصن