لم يعد الأمر مجرد انحياز سياسي، ولا حتى ازدواجية معايير أصبحت سمجة ومكشوفة؛ بل وصلنا اليوم إلى مرحلة “السعار والبلطجة العلنية” التي تجتاح عواصم الغرب. إن المشهد الصادم لاعتداء إسرائيلية على نائب في البرلمان الفرنسي، وأمام عدسات الكاميرات، لمجرد مشاركته في وقفة سلمية تطالب بالإفراج عن الطبيب الغزي الإنساني حسام أبو صفية، هو جرس إنذار يعلن سقوط ورقة التوت الأخيرة عن ادعاءات “الحرية والديمقراطية” في أوروبا.
إلى أين وصل هؤلاء؟ وصلوا إلى قناعة تامة بأنهم فوق القانون، فوق المحاسبة، وفوق النقد، حتى لو كان المستهدف ممثلاً للشعب في قلب العاصمة باريس!
1. عندما تصبح “الحصانة البرلمانية” هدفاً للبلطجة
في العُرف الديمقراطي، يمثل النائب البرلماني إرادة الشعب، وتحيط به هالة من الحصانة القانونية والاعتبارية. لكن في زمن “الضوء الأخضر المطلق” لإسرائيل، تبخرت هذه الحصانة.
الاعتداء الجسدي واللفظي على نائب فرنسي في وضح النهار يعكس وقاحة سياسية غير مسبوقة. الرسالة المراد إيصالها هنا واضحة ومرعبة: إما أن تتبنى السردية الصهيونية بالكامل، أو أنك لن تسلم حتى من الاعتداء الجسدي، حتى لو كنت مشرّعاً في دولة عظمى.
2. مفارقة السقوط الأخلاقي: طبيب يعالج الجراح.. ونائب يُضرب لأنه طالب بحريته!
تتجلى السريالية في هذا الحادث عند النظر إلى “السبب” الذي أثار جنون المعتدية. النائب لم يكن يرفع شعارات عنيفة، بل كان يمارس حقاً مكفولاً في الدستور الفرنسي، مطالباً بالحرية للدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، الذي يعرف القاصي والداني أنه رمز صمود طبي إنساني، اعتقلته آلة الحرب الإسرائيلية بلا تهمة سوى أنه رفض ترك مرضاه وأطفال غزة يموتون.
هنا تكمن المفارقة المقززة: يُعتقل الطبيب الذي ينقذ الأرواح، ويُعتدى على النائب الذي يطالب بفك قيده، بينما يتبختر المعتدون في شوارع باريس بحرية وبحماية صمت النخب السياسية!
3. عقيدة “فوق القانون” والعربدة أمام الكاميرات
لماذا تتجرأ مؤيدة للاحتلال على ارتكاب هذه الجريمة أمام الكاميرات وعلى العلن؟
الجواب ببساطة: الحصانة من العقاب (Impunity).
عندما يرى أنصار إسرائيل في الغرب أن حكوماتهم تطارد الأصوات الحرة، وتجرّم مقاطعة الاحتلال، وتغلق المنابر المساندة لفلسطين، فإنهم يشعرون بـ”تفوّق عنصري” يبيح لهم استخدام العنف الجسدي ضد من يشاؤون. الكاميرا لم تعد رادعاً للمجرم، بل أصبحت أداة للتبجح واستعراض القوة، لإدراكهم أن المظلة السياسية الغربية ستحميهم دائماً.
4. نقل الصراع إلى قلب أوروبا.. من الجاني؟
لطالما اتهم الإعلام الغربي المتضامنين مع فلسطين بأنهم “ينقلون الصراع” ويهددون السلم الأهلي في أوروبا. لكن هذا الحادث يفضح “الجهة الحقيقية” التي تصدّر العنف والبلطجة إلى الشوارع الأوروبية. إنها الأيديولوجية التي لا تقبل بوجود الآخر، ولا تطيق رؤية وقفة سلمية تطالب بالعدالة لطبيب معتقل.
مرآة تعكس واقعاً مشوهاً
هذا الاعتداء ليس حادثاً معزولاً، بل هو مرآة تعكس الواقع الجديد في الغرب:
أولاً: تحول الأنظمة الغربية تدريجياً إلى حارس شخصي لسياسات الاحتلال، حتى لو كان الثمن كرامة نوابها وسيادة قوانينها.
ثانياً: تهاوي السردية الإسرائيلية إلى حد لم يعد معها قادراً على مقارعة الحجة بالحجة، فبات يلجأ للقبضات والبلطجة لإسكات الأصوات.
إن ما جرى في باريس هو دليل صارخ على أن سرطان الفاشية، الذي يغذي الاحتلال، قد تغلغل في المجتمعات الغربية، وأنه إذا لم تفق النخب السياسية والشعوب الحرة في أوروبا لمحاسبة هؤلاء البلطجية، فإن القادم سيكون “ديكتاتورية فكرية وجسدية” تقضي على ما تبقى من القيم الفرنسية.
د. نبيلة عفيف غصن
