أمن الطاقة واستبداد الجغرافيا بين هرمز وباب المندب

ناصر قنديل-نقاط على حرف/صحيفة البناء

عندما رعت الأمم المتحدة هدنة نيسان 2022، ثم تطوّرت لاحقًا إلى تفاهم سعودي يمني برعاية عُمانية، بدا أن حربًا استمرّت سنوات تتجه نحو التهدئة. توقفت الغارات الواسعة، وتراجعت الهجمات على العمق السعودي، واستُؤنفت رحلات محدودة من مطار صنعاء، ودخلت بعض سفن الوقود إلى ميناء الحديدة. لكن هذه التسوية بقيت ناقصة؛ لأنها لم تحقق ما اعتبرته صنعاء جوهر الاتفاق: الرفع الكامل للحصار واستعادة السيادة على المطار والموانئ.

لم تلجأ صنعاء إلى إعادة التصعيد لفرض هذه المطالب بسبب التزامها بجبهة الإسناد في حرب غزة منذ تشرين الأول 2023، وخيار القيادة اليمنية أن تنقل مركز ثقلها إلى إسناد غزة، وأن تفتح جبهة البحر الأحمر في مواجهة “إسرائيل” وحلفائها، من دون أن توظف هذه القوة العسكرية التي أظهرت فاعليتها بفرض الانسحاب الأميركي من البحر الأحمر، لتحصيل مكاسب يمنية مباشرة. كان ذلك خيارًا سياسيًا استراتيجيًا مقصودًا، هدفه الفصل بين معركة الأمة ومعركة المصالح الوطنية، وإثبات أن إسناد غزة ليس ورقة مساومة لتحسين شروط التفاوض مع السعودية.

وفق ما جاء في خطاب السيد عبد الملك الحوثي، فإن هذا الخيار لم يُقابل بخطوات مماثلة. فبدلاً من استكمال تنفيذ تفاهمات 2022، عادت القيود على المطار والموانئ، وبرزت أزمة الطائرة الإيرانية، ثم طُرح الاكتفاء بتنظيم رحلات إنسانية إلى الأردن، بينما تصرّ صنعاء على أن القضية ليست عدد الرحلات، بل إنهاء الحصار واستعادة الحق السيادي الكامل في إدارة المطار والموانئ.
جاء خطاب السيد الحوثي ليعلن أن مرحلة ضبط النفس شارفت على نهايتها، وأن اليمن لن يقبل بتحويل الحصار إلى أمر دائم يُدار ببعض التسهيلات الإنسانية. وجاء الخروج المليوني في صنعاء والمحافظات ليمنح هذا الموقف غطاءً شعبيًا واسعًا، ويؤكد أن أي قرار بالتصعيد لن يكون قرار قيادة فحسب، بل قرارًا يحظى بتأييد شعبي كبير.

أهمية الخطاب والخروج المليوني المساند لا تتوقف عند حدود اليمن؛ فهو جاء بعد أيام من تجدد الحرب الأميركية على إيران، وفي لحظة تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فالحرب انتهت من دون أن تحقق أهدافها المعلنة، واضطرت واشنطن إلى العودة إلى مسار التفاهم مع طهران، بعدما ثبت أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن ضمانه بالقوة العسكرية وحدها. ثم عادت للانقلاب على التفاهم بدخول العامل الإسرائيلي كما قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، فحضر اليمن.

هنا يكتسب الإنذار اليمني معناه الاستراتيجي. فإذا خرجت المواجهة مع السعودية عن السيطرة، وانتقلت من استهداف المطارات إلى استهداف موانئ تصدير النفط على البحر الأحمر، ولا سيما ميناء ينبع، ثم إلى تعطيل الملاحة في باب المندب، فإن الأزمة لن تبقى نزاعًا يمنيًا سعوديًا، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تمس أحد أهم شرايين تجارة النفط.

وعندها لن تكون الولايات المتحدة معنية فقط بالدفاع عن السعودية، بل بالدفاع عن استقرار سوق الطاقة العالمي. وستجد نفسها أمام السؤال نفسه الذي واجهته في مضيق هرمز: كيف يمكن حماية تدفق النفط إذا أصبحت الممرات البحرية نفسها جزءًا من معادلة الردع الإقليمية؟

في هذا المعنى، لا يبدو خطاب السيد الحوثي منفصلاً عن الرسالة الإيرانية التي أعقبت الحرب؛ حيث قالت إيران عمليًا إن أمن الطاقة العالمي لم يعد ممكنًا من دون تسوية سياسية تعترف بموقعها الإقليمي، وإنهاء الحروب المفتوحة التي تستهدف حلفاءها، وفي مقدمتها الحرب على لبنان واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. واليوم يضيف اليمن بندًا مكملاً إلى هذه المعادلة: إذا كان أمن هرمز يرتبط بالتسليم بهذه الوقائع، فإن أمن باب المندب يرتبط أيضًا بتسوية يمنية كاملة، وفق الشروط التي تطرحها صنعاء، وفي مقدّمتها رفع الحصار وتنفيذ استحقاقات تفاهمات 2022.

لم تعد واشنطن تواجه ملفًا إيرانيًا وآخر يمنيًا، بل معادلة إقليمية واحدة. فأمن الطاقة لم يعد قضية بحرية أو عسكرية فحسب، بل أصبح ثمنًا سياسيًا لتسويات مترابطة تمتد من هرمز إلى باب المندب، ومن لبنان إلى اليمن. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، أو لتعويض ما تعذر فرضه على إيران عبر الضغط على اليمن أو لبنان، قد تنتهي إلى النتيجة المعاكسة: اتساع رقعة التهديد للملاحة الدولية، وارتفاع كلفة الطاقة على الاقتصاد العالمي.

لذلك، قد يكون الإنذار الذي وجهته صنعاء في جوهره رسالة إلى واشنطن أكثر مما هو رسالة إلى الرياض؛ فهو يقول إن إدارة أمن الطاقة العالمي لم تعد تبدأ بإرسال المزيد من القطع البحرية، بل بمنع انهيار التسويات السياسية. وإذا كانت الحرب على إيران قد فرضت على الولايات المتحدة الاعتراف بأن هرمز لا يُدار بالقوة وحدها، فإن التطورات اليمنية تقول إن باب المندب قد يفرض الدرس نفسه، ولكن بكلفة أعلى واتساع جغرافي أكبر.