يعيش الشرق الأوسط على صفيح ساخن تُعاد فيه صياغة موازين القوى جهاراً، ولا تزال الجغرافيا السورية تمثل عقدة الربط والحل في الحسابات الإقليمية والدولية. يأتي التحذير الصارم الذي نقله مستشار محسن رضائي إلى الجولاني ليكشف عن مرحلة جديدة من الصراع؛ مرحلة تسقط فيها الأقنعة الدبلوماسية وتتحول فيها لغة الإشارات السياسية إلى تهديد عسكري مباشر وعلني بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المنطلقة من العمق الإيراني.
​نص الرسالة الإيرانية:
“أي تحرك عسكري أو أمني من قِبل حكومة الجولاني ضد حزب الله تلبيةً لضغوط أمريكية أو وعود من إدارة ترامب، سيقابل برد ناري مباشر ومزلزل يتجاوز الحدود التقليدية لقواعد الاشتباك.”
​1. نقلة نوعية في عقيدة الردع: من “الوكلاء” إلى الأصيل المباشر
​تاريخياً، أدارت طهران صراعاتها الإقليمية عبر شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء المحليين لتجنب المواجهة المباشرة. لكن صدور هذا التهديد المباشر بالاستهداف الصاروخي من داخل الأراضي الإيرانية تجاه قيادة “سلطة الاحتلال الجولانية” في سوريا الشام يحمل دلالات استراتيجية غير مسبوقة:
​خط أحمر وجودي: ترى طهران أن أي مساس ببنية حزب الله أو خطوط إمداده اللوجستية عبر الأراضي السورية هو تهديد مباشر لعمقها الاستراتيجي، وليس مجرد مناورة تكتيكية يمكن التغاضي عنها.
​إسقاط فرضية “الوساطات”: التهديد بالمسيرات والصواريخ المباشرة يبعث برسالة حاسمة ومفادها أن طهران لن تقبل بأي هوامش رمادية أو تفاهمات تحت الطاولة قد تبرمها قوى إقليمية لحماية الجولاني إذا قرر تجاوز هذا الخط.
​2. مأزق الجولاني: مقايضة “الشرعنة” بخيار الانتحار العسكري
​يجد الجولاني نفسه أمام معادلة بالغة التعقيد والخطورة في ظل سعيه المستمر للتخلص من تصنيف الإرهاب وتقديم نفسه كلاعب سياسي مقبول دولياً:
​إغراءات واشنطن وضغوط ترامب: تسعى إدارة ترامب لتوظيف كافة الأوراق لتقويض النفوذ الإيراني في الهلال الخصيب. وقد تمثل إدلب وحكومتها أداة مثالية للضغط على خطوط إمداد المقاومة مقابل وعود برفع التصنيف الإرهابي وتوفير غطاء سياسي ودعم مالي.
​الواقعية الجيوسياسية الصعبة: يدرك الجولاني أن الاستجابة للمطالب الأمريكية بضرب بيئة حزب الله أو محاصرته تعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوى لا ترحم، حيث ستتحول مناطق سيطرته الهشة إلى حقل تجارب لأحدث الترسانات الصاروخية الإيرانية، مما يهدد مشروعه “الحكومي” بالانهيار الكامل.
​يتجاوز هذا التحذير حدود التهديد اللفظي العابر ليرسم معالم مرحلة جيوسياسية جديدة، ويمكن تفكيك أبعاده العميقة من خلال الزوايا التالية:
​رسالة سيادية حاسمة لدمشق وأنقرة: تؤكد طهران عبر هذا التهديد المباشر والعلني أنها لاعب أصيل ومباشر في تثبيت خرائط النفوذ السورية، وليست مجرد داعم خلفي. الرسالة واضحة لكل القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، بأن أي تسويات أو مقايضات سياسية تتجاهل مصالح إيران الحيوية وأمن خطوط دعمها اللوجستي ستواجه بـ “فيتو” عسكري ناري مباشر يخلط الأوراق على الجميع.
​ترسيم مصير جبهة الشمال وعزلها: يضع التحذير خطوطاً حمراء واضحة تحظر على الجولاني كلياً استغلال أي انشغال إقليمي أو دولي لمحاولة التمدد جنوباً أو غرباً باتجاه نقاط التماس الحيوية. إن أي تفكير في الاقتراب من مناطق نفوذ أو خطوط إمداد حزب الله سيعني تحويل الجبهة  فوراً من جبهة محلية إلى ساحة حرب باليستية مفتوحة.
​الـخـلاصـة: اللعب في حقل الألغام الكبير
​إن هذا التحذير الاستثنائي يضع حكومة الجولاني أمام اختبار حقيقي لمدى نضجها السياسي وقدرتها على قراءة الجغرافيا السياسية بشكل صحيح. إن الاستجابة لاندفاعة إدارة ترامب القادمة ضد المحور قد تبدو مغرية على الورق للحصول على “صك الغفران الأمريكي”، لكنها على أرض الواقع تمثل مغامرة انتحارية قد تحول معاقله إلى ساحة مواجهة باليستية مباشرة مع طهران، لتثبت الأيام مجدداً أن الجغرافيا في المشرق العربي لا ترحم من يتجاهل توازنات القوى الصلبة.
د. نبيلة عفيف غصن