حكام لبنان يعاكسون سنن التاريخ والجغرافيا
ناصر قنديل
لم تعد نظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على سؤال: مَن يحكم في الجوار؟ بل على سؤال أبسط وأشدّ خطورة: مَن يملك الأرض التي تريدها “إسرائيل” كي تصنع منها عمقاً أمنياً؟ بهذا المعنى، لا تكفي قراءة العلاقة مع سورية أو لبنان أو غزة أو الضفة من زاوية السياسة والحكومات والاتفاقات، لأن الثابت في العقيدة الإسرائيلية أعمق من تبدل السلطات. “إسرائيل” لا تنسحب إلا مرغمة، كما حدث في لبنان عام 2000 تحت ضغط المقاومة، وكما حدث في غزة عام 2005 بعد تحوّل الاحتلال المباشر إلى عبء أمني ديمغرافي. أما حيث لا يوجد إكراه كافٍ، فهي لا تنسحب: لا من الجولان، ولا من جبل الشيخ، ولا من غور الأردن، ولا من المناطق التي تعتبرها شروطاً لـ«حدود قابلة للدفاع».
تقول وثائق الأمن القومي الإسرائيلية، بصيغ مختلفة، إن مشكلة إسرائيل البنيوية هي غياب العمق الاستراتيجي، ولذلك يجب أن تملك «سيطرة أمنية مستقلة» و«حدوداً قابلة للدفاع» في أي تسوية. وتضع دراسات إسرائيلية وأميركية مؤيدة لهذا التصور غور الأردن مثالاً كلاسيكياً حيث لا سلام فلسطينياً كافياً بلا سيطرة إسرائيلية أمنية هناك، لأن الأرض نفسها جزء من العقيدة لا مجرد ورقة تفاوضية.
من هنا يصبح فهم كامب ديفيد ووادي عربة مختلفاً. في كامب ديفيد كان الرهان الإسرائيلي أن تستعيد مصر سيناء، لكن تبقى غزة خارج الفاتورة المصرية، أي أن تحصل “إسرائيل” على التخلص من العبء المصري وتُبقي القضية الفلسطينية معلقة. وفي وادي عربة حصلت “إسرائيل” على سلام مع الأردن من دون أن تدفع ثمن الضفة والقدس الشرقية، بل حصلت عملياً على صك عربي منفصل يترك الاحتلال الفلسطيني خارج التسوية. هذه هي القاعدة: “إسرائيل” تقايض حين تضطر، لكنها تحرص أن يكون الانسحاب من أرض مقابل تثبيت السيطرة على أرض أخرى.
الخطأ السياسي الأكبر هو الاعتقاد أن قرب السلطة العربية من واشنطن أو من “إسرائيل” يمنحها حصانة في وجه الجغرافيا الإسرائيلية المرغوبة. سورية بعد سقوط نظام الأسد يُفترض، نظرياً، أنها أقرب – إلى البيئة الأميركية من أي وقت مضى، وأنها أقل ارتباطاً بإيران وحزب الله، وأنها لا تملك جيشاً قادراً على تهديد “إسرائيل” وليس فيها أي مقاومة مسلحة. ومع ذلك تعاملها “إسرائيل” كأنها أخطر الجبهات. لماذا؟ ليس لأن دمشق الجديدة تقصّر في ضمان أمن الحدود، ولا لأنها تتساهل مع مقاومة مسلحة عابرة للحدود، بل لأنها تملك الأرض التي تريدها إسرائيل: الجولان، جبل الشيخ، وحزام الجنوب السوري.
لذلك لم يكن احتلال مواقع في المنطقة العازلة السورية وجبل الشيخ بعد سقوط النظام مجرد إجراء مؤقت. التقارير الميدانية تتحدث عن قواعد ومواقع إسرائيلية جديدة في الجنوب السوري، وعن تمدّد من جبل الشيخ إلى القنيطرة ودرعا، بما يوحي بتحول «الإجراء الأمني» إلى حضور طويل الأمد. والأبلغ أن نتنياهو تحدث عن اتفاق ممكن مع سورية، لكنه اشترط منطقة منزوعة السلاح من دمشق إلى جبل الشيخ ومحيطها، أي أن التفاوض نفسه يصبح وسيلة لشرعنة الحزام لا لإزالته.
الأمر نفسه في لبنان وغزة والضفة. وثيقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2025 تقول بوضوح إن على “إسرائيل” منع إعادة بناء قوة حزب الله، وإن عليها في غزة الاحتفاظ بـ«السيطرة الأمنية الكاملة» لمنع حماس من إعادة بناء قدراتها. ولكن هذا كلام سياسي في الأمن، أما عند بلوغ عمق الاستراتيجية الأمنية في الأدبيات الإسرائيلية الراهنة بعد 7 تشرين الأول، فالواضح أن المنطقة العازلة ليست اقتراحاً هامشياً أو إبعاداً للسلاح المزعج عن الحدود، إنها هندسة سكانية جغرافية جديدة للحدود.
هنا يظهر خطر التفاوض الثاني، أي التفاوض الذي يأتي بعد الحرب أو بعد وقف النار تحت وهم أنه قادر على اختراق العقيدة الإسرائيلية. العكس هو الصحيح: التفاوض، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يبدأ كي يكسر المنطقة العازلة، بل كي يعطيها اسماً قانونياً أو دولياً أو تنفيذياً، مرحلياً إذا تعذّر أن يكون نهائياً. لذلك سار الاتفاق مع لبنان لأنه يتيح ترسيخ حزام أمني مقنع دولياً، وتعثر مع سورية لأن “إسرائيل” تريد من دمشق أن تقبل بتجريد أرضها من معناها السيادي، من جبل الشيخ حتى جنوب العاصمة.
أما الفكرة الجنونية الجديدة ـ القديمة، أي العودة إلى المستوطنات الشابة المقاتلة، فهي ليست طارئة على العقل الإسرائيلي. مشروع «الناحال» منذ بن غوريون جمع بين الجندي والمزارع والمستوطن الحدودي؛ كانت المستوطنة جزءاً من الدفاع، لا مجرد إقامة مدنية. لكن تجربة غلاف غزة وشمال فلسطين كشفت أن المستوطنات شاخت وارتاحت وهربت عند الحرب، فتقدمت فكرة الحزام العسكري المباشر أو المستوطنات الصغيرة المسلحة في عمق أماميّ. أي أن الفشل لا يدفع “إسرائيل” إلى التخلي عن العقيدة، بل إلى تصليبها والبحث عن مساحات جديدة لها تبدو خيالية بنظر البعض، ويجيب الإسرائيليون كما كان مشروع إقامة “إسرائيل” على كل فلسطين خيالياً بنظر الكثيرين.
الرهان على واشنطن ليس أقلّ وهماً؛ لأن الأولوية الأميركية العميقة لا تزال بقاء “إسرائيل” متفوقة ومهيمنة أمنياً وقليلة الحاجة إلى حماية أميركيّة مباشرة. لذلك صمتت واشنطن عملياً على احتلال جبل الشيخ، كما قبلت المبدأ الإسرائيلي القائل إن ما تفعله إسرائيل في سورية هو «دفاع عن النفس» بعد سقوط النظام. وهذا يعني أن الحليف العربي تحت المظلة الأميركية لا يحصل على حماية من “إسرائيل”، بل يُطلب منه أن يتكيف مع شروط الأمن الإسرائيلي، كما تفهمها “إسرائيل” نفسها.
الخلاصة أن “إسرائيل” لا تفاوض على أمنها كما يعرّفه الآخرون، بل على اعتراف الآخرين بأمنها كما تعرّفه هي: أرض عازلة، حرية عمل، تفوق عسكري، وسيطرة أمنية خارج الحدود. ومن لا يملك قوة إكراه لا ينتزع انسحاباً، بل يمنح الاحتلال اسماً جديداً.
الخلاصة الأهم أن حكام لبنان يعاكسون سنن التاريخ والجغرافيا!
