“الجوف جبهة الخبز والكرامة”

أسماء حبوري

في أدبيات الصراع الحديث، لم تعد المعارك تُحسم فقط في متارس المواجهة العسكرية، بل أصبحت “صوامع الغلال” وحقول القمح هي قلاع السيادة الحقيقية من هنا، يمكننا قراءة المشهد في محافظة الجوف اليمنية تلك البقعة الجغرافية التي تحولت من منسية ومهمشة في أجندات الأنظمة السابقة، إلى قلب نابض لركائز الاستقلال الوطني عبر بوابة الاقتصاد الزراعي والتنمية المستدامة.

من “حزام نار” إلى سلة غذاء
لعقود طويلة فُرض على الجوف أن تلعب دوراً لا يشبه حقيقتها التاريخية حيث أرادت لها القوى الإقليمية والدولية المهيمنة وفي مقدمتها الرياض وواشنطن عبر أدواتهما المحلية المعطلة أن تظل مجرد “منطقة عازلة” أو مساحة جغرافية طاردة يسودها الانفلات والنزاع القبلي كان الهدف الاستراتيجي من هذا التجميد الممنهج هو:
خنق الطموح اليمني: منع البلاد من استغلال مخزونها المائي الجوفي الشاسع وأراضيها الخصبة التي تؤهلها للاكتفاء.
التبعية الغذائية: إبقاء الـقرار السياسي اليمني رهيناً للاستيراد الخارجي والمساعدات المشروطة.

لكن التحول الراهن أثبت أن إرادة الأرض تفوقت على هندسة الحصار فتحول الكثيب الرملي الأصفر إلى بساط أخضر يُنتج القمح والحبوب، يمثل أكبر صفعة لمخططات الإركاع الاقتصادية.

زراعة الأرض كفعل مقاومة
حينما تحاك المؤامرات ضد قطاع التنمية في الجوف، فإن المستهدف ليس المزارع اليمني في حقله فحسب بل هو “القرار السيادي” للدولة. فالأعداء يدركون أن امتلاك اليمن لقمحه يعني امتلاكه لقراره، وأن خروج الجوف من عباءة الوصاية والتجهيل يمثل نقطة تحول استراتيجية لصالح محور الاعتماد على الذات لذلك، فإن كل شتلة تُزرع وكل بئر تُحفر في تلك المحافظة هي بمثابة مقذوف يضرب في عمق الحصار.

محاكمة الوعي والمسؤولية
إن ما تمر به الجوف اليوم يضع الجميع أمام اختبار حقيقي للامتماء والوعي الوطني. فالاصطفاف اليوم لم يعد مجرد شعارات سياسية، بل هو انحياز عملي:
فإما أن تكون في صف البناء والتنمية واستصلاح الأرض مع شعبك، أو أن تكون خادماً للمشروع الذي يريد لهذه الأرض أن تنام على الفقر والجهل والصراعات.

إن الجوف اليوم تعيد كتابة التاريخ بجهود أبنائها المخلصين، لتثبت أن الأرض التي اختزنت الحضارات القديمة قادرة اليوم على صياغة فجر الاستقلال الغذائي والسياسي لليمن بأكمله.