حين تصبح الأوطان كيانات… من سرق الدولة ومن صادر السيادة؟
فاتنة علي، لبنان/سوريا الطبيعية
ما الدولة؟ سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه من أكثر الأسئلة تعقيدًا في التاريخ السياسي. فهل تكفي الحدود المرسومة على الخرائط، والعلم المرفوع فوق المباني الرسمية، والنشيد الذي يُتلى في المناسبات، لنقول إن هذه دولة؟ أم أن الدولة، في جوهرها، هي السيادة، والقرار المستقل، والقدرة على حماية الأرض والإنسان والهوية، وصناعة اقتصادها، وفرض قانونها، وصيانة كرامة شعبها؟
إذا كانت هذه هي الدولة، فمن حقنا أن نتساءل: هل نعيش اليوم داخل دول حقيقية، أم داخل كيانات وُلدت بإرادة القوى الاستعمارية، ثم أُلبست ثوب الدولة حتى تبدو شرعية أمام العالم؟
إن العودة إلى التاريخ تكشف أن كثيرًا من الكيانات السياسية الحديثة لم تُنشأ بإرادة شعوبها، بل وُلدت في غرف التفاوض، ورُسمت حدودها بأقلام الدبلوماسيين، لا بإرادة أصحاب الأرض. لم يكن الإنسان هو من رسم الخريطة، بل كانت المصالح هي التي رسمتها، ثم طُلب من الشعوب أن تؤمن بها وكأنها قدر لا يقبل النقاش.
ولعل الولايات المتحدة الأمريكية تمثل المثال الأبرز على ذلك. فهي اليوم تتصدر النظام الدولي بوصفها حامية القانون الدولي والمدافعة عن حقوق الإنسان، بينما يقف تاريخ تأسيسها شاهدًا على واحدة من أكبر عمليات الإبادة والاقتلاع التي تعرض لها السكان الأصليون للقارة الأمريكية. فهذه الدولة لم تنشأ فوق أرض خالية، بل فوق حضارات وشعوب كانت تعيش هناك منذ قرون.
ومن بين تلك الشعوب قبائل الشيروكي، التي لا يعرف كثيرون عنها اليوم إلا اسمًا تجاريًا ارتبط بإحدى السيارات العالمية، بينما يجهل معظم الناس أن “شيروكي” لم تكن سيارة، بل أمة كاملة من السكان الأصليين. ففي عام 1838، أُجبر عشرات الآلاف من أبناء قبائل الشيروكي على مغادرة أراضيهم في واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأمريكي سوادًا، فيما عُرف لاحقًا بـ”طريق الدموع”، حيث مات الآلاف جوعًا ومرضًا وبردًا أثناء التهجير القسري، بعد أن انتُزعت أرضهم ومنحت للمستوطنين الجدد.
وحين تتغنى واشنطن اليوم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنها تفعل ذلك فوق أرض قامت دولتها الحديثة على دماء أصحابها الأصليين. والتاريخ لا يُمحى بتغيير الأسماء، ولا تُغسل الجرائم بمرور الزمن، ولا تتحول الضحية إلى مجرد اسم تجاري لأن المنتصر أراد ذلك.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: أليست هذه الآلية ذاتها، وإن اختلف الزمان والمكان، هي ما شهدته فلسطين عند إنشاء كيان “إسرائيل”؟ أليس هذا الكيان قد أُقيم على أرضٍ كان يعيش عليها شعبٌ آخر، بعد تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، والاستيلاء على مدنهم وقراهم وممتلكاتهم؟ إن التشابه بين التجربتين لا يكمن في التفاصيل، بل في المنهج؛ منهج يقوم على الإحلال السكاني، وصناعة واقع جديد بالقوة، ثم مطالبة العالم بالاعتراف به بوصفه أمرًا واقعًا.
ولم تكن “إسرائيل” حدثًا منفصلًا عن التاريخ، بل جاءت امتدادًا لمشروع استعماري طويل أعاد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى. فمن يقرأ تاريخ المشرق العربي يدرك أن ما نعيشه اليوم ليس وليد العقود الأخيرة، بل نتيجة مشروع بدأ قبل أكثر من قرن، عندما قررت الإمبراطوريات الأوروبية أن تعيد رسم المنطقة بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
ففي عام 1916، وبينما كانت الحرب العالمية الأولى لا تزال مشتعلة، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية، التي قسمت المشرق العربي إلى مناطق نفوذ بين الدولتين، دون أن يكون لشعوب المنطقة أي رأي في مستقبلها. لم تُراعِ الاتفاقية التاريخ، ولا الهوية، ولا الامتداد الاجتماعي، بل تعاملت مع الأرض باعتبارها غنيمة حرب تُوزع بين المنتصرين.
وبعد سنوات قليلة، جاء وعد بلفور عام 1917 ليمنح الحركة الصهيونية وعدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم أن من منح الوعد لم يكن يملك الأرض، ومن مُنح الوعد لم يكن يملك الحق فيها. ثم جاء نظام الانتداب ليترجم هذه الوعود إلى واقع سياسي، حتى انتهى الأمر بإعلان قيام “إسرائيل” عام 1948، وما رافق ذلك من نكبة فلسطينية ما زالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
ولم تكن المنطقة العربية هدفًا للاستعمار مصادفة. فهذه البقعة من العالم تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها عقدة الوصل بين القارات الثلاث، وتتحكم بأهم الممرات البحرية، وتختزن ثروات نفطية وغازية هائلة، فضلًا عن عمقها الحضاري والديني. لذلك لم يكن تقسيمها خيارًا عابرًا، بل ضرورة استراتيجية بالنسبة للقوى الاستعمارية، التي أدركت منذ وقت مبكر أن وحدة هذه المنطقة تعني امتلاكها قدرة هائلة على التأثير في ميزان القوى العالمي، وأن تفكيكها إلى كيانات صغيرة ومتنازعة هو الضمانة الأهم لاستمرار الهيمنة عليها.
ومن هنا بدأت رحلة صناعة الكيانات. لم يعد الهدف احتلال الأرض بصورة مباشرة كما كان في القرون السابقة، بل إنشاء أنظمة سياسية مرتبطة بالخارج، وحدود قابلة للاشتعال، وأزمات دائمة تضمن بقاء المنطقة بحاجة إلى الوسيط الدولي، وإلى الحماية الأجنبية، وإلى التدخل الخارجي كلما انفجرت أزمة جديدة.
ولم يكن لبنان استثناءً من هذا المسار، بل كان أحد أبرز النماذج التي تجلت فيها نتائج المشروع الاستعماري في المنطقة. فلبنان الكبير أُعلن عام 1920 في ظل الانتداب الفرنسي، ثم وُضع دستوره عام 1926 في ظل السلطة المنتدبة، وكان للمفوض السامي الفرنسي الكلمة الفصل في كثير من المحطات السياسية، حتى إن انتخاب أول رئيس للجمهورية اللبنانية جرى تحت إشراف سلطة الانتداب، لا بإرادة وطنية مستقلة كاملة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يخرج لبنان فعليًا من دائرة التأثير الخارجي. تبدلت الأسماء، وتغيرت القوى النافذة، لكن القاسم المشترك بقي واحدًا: القرار اللبناني ظل، في كثير من المحطات المفصلية، رهينة التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما كان تعبيرًا عن إرادة اللبنانيين أنفسهم.
ولأن لبنان يقع في قلب بلاد الشام، وعلى تماس مباشر مع فلسطين المحتلة، فقد كان، ولا يزال، واحدًا من أكثر البلدان عرضةً للتدخلات الخارجية. فالجغرافيا لم تكن يومًا نعمة خالصة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى لعنة سياسية جعلت هذا البلد ساحةً لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
وقبل الانتداب الفرنسي بسنوات طويلة، عاش اللبنانيون تحت الحكم العثماني، الذي شهد، خصوصًا في سنوات الحرب العالمية الأولى، واحدة من أقسى المراحل في تاريخ جبل لبنان. فقد ارتبطت ذاكرة اللبنانيين بما عُرف بـ”السفر برلك”، وهي سياسة التجنيد الإجباري التي رافقتها المجاعة والحصار ومصادرة المحاصيل، حتى قضى عشرات الآلاف جوعًا ومرضًا بين عامي 1915 و1918. وفي تلك المرحلة تعزز نفوذ الإقطاع، فيما دُفع الفلاح اللبناني ثمنًا جديدًا لصراعات الإمبراطوريات التي لم يكن له فيها ناقة ولا جمل.
لكن ما إن انتهى الحكم العثماني حتى بدأت مرحلة جديدة من الوصاية، حملت اسم الانتداب الفرنسي. تبدلت الرايات، إلا أن جوهر المعادلة بقي واحدًا؛ القرار اللبناني لم يكن يصنعه اللبنانيون وحدهم، بل كانت القوى الخارجية هي التي ترسم سقوفه وحدوده.
ومع مرور العقود، لم تُبنَ الدولة اللبنانية على مفهوم المواطنة، بل على نظام سياسي طائفي كرّس الانقسام بدل تجاوزه. وأصبح اللبناني يُعرَّف بانتمائه الطائفي قبل انتمائه الوطني، حتى بدا وكأن البلاد تتحرك باستمرار بين شرق وغرب، وبين يمين ويسار، وبين مسلم ومسيحي، وبين محاور خارجية متصارعة، فيما بقي الوطن نفسه هو الخاسر الأكبر.
وهنا يبرز السؤال: هل كان كل ذلك مجرد صدفة تاريخية؟ أم أنه جزء من منظومة هدفت إلى إبقاء لبنان دولةً ضعيفة، قابلةً للاختراق، لا تستطيع إنتاج قرارها الوطني المستقل؟
إن قراءة التاريخ تقود إلى استنتاج واضح؛ فكلما اقترب اللبنانيون من بناء مشروع وطني جامع، ظهرت أزمة جديدة تعيد البلاد إلى نقطة الصفر. وكأن المطلوب أن يبقى لبنان ساحةً مفتوحة، لا دولةً مكتملة الأركان.
وعندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، دخلت البلاد مرحلة أكثر تعقيدًا. ففي عام 1976، وبقرار من جامعة الدول العربية، دخلت القوات العربية الردعية إلى لبنان، وكان عمادها الجيش السوري، تحت عنوان وقف الحرب وحماية الأمن والاستقرار.
والمفارقة أن القوى التي طالبت يومها بهذا التدخل، عاد قسم كبير منها لاحقًا ليصف الوجود السوري بالاحتلال، بينما بقي قسم آخر يعتبره ضرورة فرضتها ظروف الحرب. وهنا تتجلى واحدة من أكثر سمات السياسة اللبنانية وضوحًا؛ فالمواقف لا يحكمها الثبات، بل تتبدل بتبدل المصالح والتحالفات، حتى أصبح ما كان بالأمس ضرورة وطنية، يوصف اليوم بأنه احتلال، والعكس صحيح.
وفي المراحل اللاحقة، تعاظم النفوذ السعودي داخل لبنان، وأصبحت التسويات الإقليمية عاملًا أساسيًا في إدارة الحياة السياسية اللبنانية، وبرزت تفاهمات عُرفت باسم “السين ـ سين”، في إشارة إلى التفاهم السوري ـ السعودي، الذي كان يرسم في كثير من الأحيان ملامح الاستقرار أو التوتر في البلاد.
ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989، لا ليُكتب في بيروت، بل خارجها، في مدينة الطائف السعودية، حيث وُضعت الصيغة الجديدة للنظام السياسي اللبناني. ورغم أن الاتفاق أنهى الحرب الأهلية، وأعاد توزيع الصلاحيات بين السلطات، فإنه كرّس أيضًا واقعًا بقيت فيه الإرادة الخارجية حاضرة في رسم مستقبل لبنان.
واللافت أن القوى السياسية التي طالما رفعت شعار احترام اتفاق الطائف والدفاع عنه، كانت أول من تجاوز كثيرًا من بنوده عندما تعارضت مع مصالحها السياسية. فأصبح الاتفاق يُستحضر حين يخدم فريقًا، ويُهمَل حين يصبح عائقًا أمامه، حتى فقد، في كثير من المحطات، هيبته الدستورية وتحول إلى مادة للاستخدام السياسي أكثر منه مرجعية وطنية ثابتة.
واليوم، ومع التطورات الأخيرة، يتكرر المشهد نفسه. فالحديث عن تفاهمات واتفاقات مع “إسرائيل” يطرح أسئلة تتجاوز السياسة اليومية إلى جوهر مفهوم السيادة ذاته.
فعن أي سيادة يتحدث بعض اللبنانيين، إذا كان القرار الوطني لا يزال يُصاغ خارج الحدود؟ وعن أي دولة نتحدث إذا كانت أبرز محطاتها الدستورية والسياسية قد كُتبت أو رُسمت أو فُرضت تحت تأثير إرادات خارجية؟
إن الدولة ليست مجرد علم ونشيد وحدود مرسومة على الخرائط. الدولة هي قضاء مستقل لا يخضع للسياسيين، وهي اقتصاد منتج لا يقوم على الريع والاستدانة، وهي صناعة وزراعة تؤمن الاكتفاء، وهي مؤسسات تمتلك قرارها، وهي سلطة تستطيع أن تحمي أرضها وحدودها وشعبها.
فهل يمتلك لبنان اليوم أيًا من هذه المقومات؟
هل لدينا قضاء مستقل بالفعل؟
هل لدينا صناعة وطنية حقيقية؟
هل نملك اقتصادًا منتجًا، أم اقتصادًا ريعيًا يعيش على القروض والتحويلات والمساعدات الخارجية؟
هل تستطيع الدولة حماية حدودها ومنع الاعتداءات اليومية عليها؟
وهل القرار اللبناني يصنع في بيروت وحدها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي عن معظم هذه الأسئلة، فإننا نكون أمام كيان يحمل اسم دولة، لكنه لم ينجح حتى اليوم في امتلاك جوهر الدولة الحقيقي.
والأخطر من ذلك أن هذا الكيان، رغم هشاشته، لم يستطع يومًا أن يحمي نفسه دون الاستناد إلى الخارج، وكأن قدره أن يبقى معلقًا بين الإرادات الدولية، لا بين إرادة أبنائه.
إذا كان هذا هو واقع الدولة اللبنانية، فمن الطبيعي أن يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا يصرّ بعض المسؤولين في لبنان اليوم على الدفع باتجاه المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”؟ وهل أصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مشروعًا اليوم؟ وكيف يُطرح هذا الخيار، في حين أن التجربة اللبنانية نفسها أسقطت سابقًا اتفاق السابع عشر من أيار، ورفضت أي مسار يُفضي إلى تطبيع العلاقة مع العدو؟
في السياسة لا توجد أحداث معزولة، ولا تُقرأ الوقائع منفصلة عن سياقها. وما يجري اليوم، في رأيي، ليس مجرد مسار تفاوضي عابر، بل حلقة جديدة في مشروع أكبر يعاد إنتاجه بأدوات مختلفة.
السبب الأول، يتمثل في محاولة إنقاذ “إسرائيل” من حالة الاستنزاف التي تعيشها، والعمل على تفكيك ما يُعرف بوحدة الساحات، وهي العقيدة التي تبنتها إيران وقوى المقاومة في المنطقة، والتي تقوم على اعتبار أن أي مواجهة مع “إسرائيل” لا تخص جبهة واحدة، بل تمتد آثارها إلى جميع الجبهات المرتبطة بها.
ولم يكن التركيز على الجبهة اللبنانية صدفة. فهي تختلف عن غزة من حيث الواقع القانوني والجغرافي والعسكري. فغزة تعيش تحت حصار خانق منذ سنوات، فيما لبنان دولة ذات حدود معترف بها دوليًا، وعضو في الأمم المتحدة، وكل اعتداء “إسرائيلي” على أراضيه يمثل، من الناحية القانونية، انتهاكًا واضحًا لسيادة دولة مستقلة، وخرقًا مستمرًا للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 1701 الذي كثيرًا ما يُستشهد به بصورة انتقائية، بينما تُغضّ الأطراف الدولية النظر عن الخروقات “الإسرائيلية” اليومية برًا وبحرًا وجوًا.
ومن هنا، فإن استمرار الاعتداءات “الإسرائيلية” على الأراضي اللبنانية، سواء في زمن الحرب أو في فترات الهدوء، يثبت، في نظري، أن الحديث عن احترام السيادة اللبنانية لا يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الخطاب السياسي، بينما الوقائع على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
ولهذا أتساءل: لماذا لا تتحرك السلطة اللبنانية بالجدية نفسها لتقديم شكاوى متواصلة أمام المحافل الدولية؟ ولماذا يبدو التعامل مع هذه الانتهاكات وكأنه أمر اعتيادي؟ وكيف يُطلب من اللبناني أن يقتنع بأن السيادة مصانة، فيما تُنتهك حدوده بصورة متكررة؟
أما السبب الثاني، وهو الأخطر، فهو صناعة فتنة داخلية جديدة.
إن مجرد تصدير صورة إعلامية توحي بأن لبنان يسير نحو التطبيع مع “إسرائيل”، أو إظهار العلمين جنبًا إلى جنب، لا يُعد تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل يحمل دلالات سياسية ونفسية عميقة. فهو يعني، بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، الاعتراف بشرعية كيان لا يزال الدستور اللبناني يعتبره عدوًا، ولا تزال الذاكرة الوطنية تحتفظ بجرائمه واحتلاله وعدوانه.
كيف يمكن الحديث عن اتفاقات طبيعية، بينما لا يزال أسرى لبنانيون يقبعون في السجون “الإسرائيلية”، ولا تزال قرى الجنوب تحمل آثار الدمار، ولا تزال عائلات تنتظر انتشال شهدائها من تحت الأنقاض، ولا يزال آلاف النازحين يعانون آثار الحرب والعدوان؟
أي رسالة يراد إيصالها إلى هؤلاء؟
وأي سلام يمكن أن يُبنى فوق هذا الكم من الدم والخراب؟
إن الغاية من هذا المسار لا تقف عند حدود العلاقة مع “إسرائيل”، بل تمتد إلى الداخل اللبناني نفسه.
فالاحتقان الذي يولده هذا المشهد، وما يرافقه من شحن إعلامي وسياسي، قد يدفع البلاد نحو انقسام داخلي خطير، وربما إلى مواجهة بين اللبنانيين أنفسهم، أو إلى صدام بين الجيش والمقاومة، وهو السيناريو الذي لطالما سعت إليه أطراف خارجية ترى أن إنهاء فكرة المقاومة لا يكون بمواجهتها عسكريًا فقط، بل بدفع المجتمع اللبناني إلى الاقتتال حولها.
ولهذا لا نستطيع أن نفصل ما يجري عن المشروع الأوسع في المنطقة، المشروع الذي يقوم على محاصرة إيران، وإضعاف قوى المقاومة، وإعادة رسم التوازنات بما يضمن التفوق “الإسرائيلي” لعقود مقبلة، تحت المظلة الأمريكية.
ولذلك فإن السلطة اللبنانية الحالية ليست مجرد متفرج على هذه التحولات، بل تتحمل مسؤولية سياسية عن الخيارات التي تتخذها، وعن النتائج التي قد تترتب عليها، إذا كانت هذه الخيارات تؤدي إلى إضعاف عناصر القوة اللبنانية، أو إلى تعميق الانقسام الداخلي.
ويبقى سؤال لا يوجد له جواب مُقنع.
لقد سمعنا، سنوات طويلة، خطابات لا تتوقف عن تمجيد مساحة لبنان البالغة 10452 كيلومترًا مربعًا، وعن الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن كل ذرة من ترابه، وعن قدسية السيادة وحرمة الأرض.
لكن أليست القرى الجنوبية جزءًا من هذه المساحة نفسها؟
أليست تلك الأرض التي رويت بدماء الشهداء جزءًا من الوطن الذي أقسم الجميع على حمايته؟
فكيف يصبح الحديث عن حماية لبنان مقبولًا، إذا كان ثمن ذلك أن يتحول الجنوب إلى منطقة عازلة، أو إلى حزام أمني يحقق الأمن لمستوطنات شمال فلسطين المحتلة؟
السيادة لا تتجزأ، والوطن لا يُقاس بجغرافيا انتقائية، ولا تُحمى العاصمة بالتفريط بالأطراف، ولا يصبح التخلي عن جزء من الأرض عملًا وطنيًا مهما تبدلت المبررات.
لقد علمنا التاريخ أن الأوطان لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ بالسقوط عندما يُعاد تعريف الثوابت، ويصبح الاحتلال خلافًا سياسيًا، وتتحول السيادة إلى مادة تفاوض، ويُطلب من الشعوب أن تتكيف مع الأمر الواقع بدل أن تغيّره.
وربما لهذا السبب ستبقى كلمات الشهيد باسل الأعرج حاضرة في وجدان كل من يؤمن بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع:
«”لا تحلموا بعالمٍ جميل ما دامت “إسرائيل” موجودة.”»
ويبقى الإيمان بالوطن فعلًا قبل أن يكون شعارًا، لأن الأوطان التي لا يدافع عنها أبناؤها، تتحول مع الزمن إلى مجرد خرائط، والخرائط لا تصنع السيادة.
فوطنٌ لا ندافع عنه… لا نستحق أن نحيا فيه.
