بيتنا… عتبةٌ غائبةٌ على تخوم المحو.
———————————————
هناك… في الجهة التي تركنا فيها قلوبنا،
يقف بيتنا كآخر نجمةٍ تأخَّرت عن الغياب.
لا أدري! أنحن الذين سكنَّاه أعوامًا،
أم هو الذي اتَّخذ من أروحانا مقامًا،
ثم تركنا نمضي ونبقى معلَّقين عند عتبته
كصلاةٍ لم تكتمل.
فالبيوت لا تُبنى بالحجارة،
بل بما يتسرَّب إليها من أعمارنا.
هي أشجار الوقت، تنبت فينا جذورها خفيَّةً،
حتَّى إذا ابتعدنا عنها اكتشفنا أنَّنا نحن الذين اقتُلِعنا.

منذ خرجنا منه مُكرهين،
وهو واقفٌ على الحدِّ الفاصل بين الاسم والمحو،
بين أن يظلَّ نافذةً للضوء أو يصير ذكرى من غبار.
ونحن هنا… نجرُّ أيَّامنا كما يجرُّ المنفيُّ ظلَّه،
نراقب الجهات، ونصغي إلى المسافات،
كأنَّ بين ضلوعنا بابًا مواربًا
ما زال ينتظر وقع خطواتٍ قديمة.

كم مرَّت فوقه العاصفة،
وكم تدلَّت من السماء مخالب النَّار والحديد،
وكم ارتجفت الأرض حوله كعصفورٍ في قبضة الرَّعد.
وكان الموت، في كلِّ مرَّةٍ، يدور حوله
كذئبٍ يختبر أسوار القطيع، ثم يمضي،
ويترك للمعجزة أن تُكمل حراستها الخفيَّة.

بعثروا أشياءه، وقلَّبوا ملامح المكان،
لكنَّهم لم يعثروا على السرِّ المدفون في الجدران:
ذلك الضَّوء الصامت، الذي يربط القلب بموطنه،
ويجعل الحجرَ ذاكرةً، والتُّرابَ نسبًا،
والأبوابَ أفرادًا من العائلة.
نخاف عليه كما نخاف على طفولتنا.
فقد يسقط حجرٌ هناك، فتنهار سنةٌ كاملة من العمر.
وقد يتهدَّم ركنٌ من أركانه،
فتتبعثر فجأةً وجوه الذين أحببتهم.

ففي كلِّ بيتٍ حكايةُ أمٍّ تُخبِّئ دفأها في الجدران،
وأثرُ أبٍ ترك على الأبواب بصماتِ تعبه النبيل.
وفي كلِّ نافذةٍ عينٌ كانت تنتظر عودةَ غائب،
وفي كلِّ عتبةٍ خطواتُ طفلٍ ما زالت تركض
في ذاكرة الوقت.
فإذا تهدَّم بيتٌ، لا يسقط حجرٌ فحسب،
بل ينطفئ مصباحٌ من مصابيح المعنى،
ويغيب فصلٌ كاملٌ من سيرة القلب.
*
خضر ضيا
———-
بعد تفقد بيتنا اليوم في كفرجوز.