في مخيم النصيرات، حيث تتقاطع رائحة البارود مع رائحة الطحين، وحيث يُولد الصباح على صوت الطائرات لا على زقزقة العصافير، تصرّ نساء فلسطين على أن يُشعلن نار الأفران لا نار الاستسلام. هناك، وسط الجوع والحصار والدمار، تجلس مواطنات يُعددن كعك العيد بأيدي أنهكتها الحرب، لكنّها لم تنكسر. يعجنّ الدقيق القليل المتبقي، ويشكّلن دوائر الكعك كما لو أنهنّ يُعدن تشكيل المعنى نفسه: معنى البقاء، معنى الهوية، معنى أن تبقى فلسطين حيّة رغم كل محاولات الإبادة.
ليست هذه مجرد صناعة لحلوى شعبية موسمية، بل فعل مقاومة حضارية كامل. ففي الوقت الذي يحاول فيه الاحتلال تحويل غزة إلى أرض بلا روح، تردّ النساء من النصيرات بأن الشعوب لا تُقاس فقط بعدد الشهداء والبيوت المهدمة، بل أيضاً بقدرتها على حماية ذاكرتها الجماعية وتقاليدها وطقوسها الإنسانية. الكعك هنا ليس طعاماً فقط؛ إنه إعلان وجود، ورسالة تقول إن الشعب الذي يحافظ على أعياده تحت القصف لن يُهزم مهما اشتد الحصار.
لكن المشهد لا يكتمل إلا بصورته المقابلة. ففي الجهة الأخرى من النصيرات، تقف الأبنية المدمرة كأشباح شاهدة على وحشية الاحتلال. مربع سكني كامل سُوّي بالأرض بفعل القصف. حجارة متناثرة، وجدران ممزقة، وأحلام دفنت تحت الركام. الاحتلال لا يكتفي بقتل البشر، بل يسعى إلى تدمير البيئة الاجتماعية والحضارية التي تصنع الإنسان الفلسطيني. يريد اقتلاع الذاكرة من جذورها، وتحويل المخيمات إلى مناطق موت دائم، لا حياة فيها ولا مستقبل.
وهنا تتجلى المعركة الحقيقية: إنها ليست فقط حرباً عسكرية، بل حرب على المعنى نفسه. الاحتلال يريد لفلسطيني غزة أن يتحول إلى كائن يلهث فقط خلف البقاء البيولوجي، بلا ثقافة، بلا فرح، بلا عيد، بلا ذاكرة. ولذلك يصبح إعداد كعك العيد في النصيرات عملاً سياسياً بامتياز، لأنّه يعلن سقوط مشروع تحويل الإنسان الفلسطيني إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار.
إن ما يحدث في غزة يكشف الفارق الأخلاقي والحضاري بين شعب يُنتج الحياة حتى من قلب المجاعة، وكيان استعماري لا يُنتج إلا الخراب. النساء اللواتي يُحضّرن الكعك لا يمتلكن جيوشاً ولا طائرات، لكنهن يمتلكن ما هو أخطر على الاحتلال: الإرادة التاريخية. تلك الإرادة التي جعلت فلسطين، عبر عقود طويلة، قادرة على النهوض بعد كل مجزرة، وعلى ترميم ذاكرتها كلما حاول العدو سحقها.
ولذلك يخاف الاحتلال من هذه التفاصيل الصغيرة أكثر مما يخاف من كثير من الشعارات. يخاف من أمّ تُعلّم أطفالها طقوس العيد وسط الأنقاض، لأن هذا يعني أن الجيل القادم لن ينسى. يخاف من رائحة الكعك الخارجة من بيت فقير في مخيم محاصر، لأنها تؤكد أن الروح الفلسطينية ما زالت عصيّة على الكسر. يخاف من الأغاني الشعبية، ومن الأعياد، ومن الضحكات العابرة بين الأطفال، لأن كل ذلك يهزم فلسفة الإبادة التي يحاول فرضها.
إن النصيرات اليوم ليست مجرد مخيم منكوب، بل صورة مكثفة عن فلسطين كلها: شعب يُقصف لكنه لا يستسلم، يُجوَّع لكنه لا يفقد كرامته، يُحاصر لكنه يصر على الاحتفال بالحياة. وبين امرأة تُشكّل كعكة بيديها، وطفل يبحث بين الركام عن لعبته، ورجل يحاول إزالة الحجارة عن منزله المدمر، تتجسد ملحمة الصمود الفلسطيني بأوضح صورها.
وفي زمن الانهيارات العربية الكبرى، حيث هرولت أنظمة كثيرة نحو التطبيع والخضوع، تبقى غزة وحدها تُعيد تعريف الكرامة. فمن قلب الحصار، ومن بين البيوت المهدمة، يخرج درس تاريخي قاسٍ: الشعوب التي تتمسك بذاكرتها وثقافتها لا يمكن اقتلاعها مهما بلغ حجم العدوان. أما الذين باعوا أوطانهم للهيمنة الأجنبية، فقد خسروا المعنى قبل أن يخسروا السياسة.
سيبقى كعك العيد في النصيرات أخطر على الاحتلال من كثير من المؤتمرات والخطب، لأنه يثبت أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل حضارة حيّة تقاوم الفناء. وسيبقى الركام شاهداً على جريمة العصر، لكنّه أيضاً سيبقى شاهداً على فشل مشروع الإلغاء. فغزة التي تعجن الكعك تحت النار، قادرة على أن تعجن المستقبل أيضاً، مهما حاول العالم خنقها بالصمت والتواطؤ.
د. نبيلة عفيف غصن