نظام الطيبات: مرض الهيمنة… ووهم الشفاء
نحو فجر صحي شرقي جديد
بقلم إنسانة متعبة من انتظار المعجزة
لم يعد الألم مجرد إحساس جسدي. صار الألم اليوم سوقا ضخمة تتقاسمها شركات الدواء العملاقة كجثة ممددة على طاولة التشريح. يشتكي الناس من صداع، فتقدم لهم حبة تسكّن العَرَض. يشكون من ضغط فيُكتب لهم دواء لمدى الحياة. كل عضو يئنّ يصبح بابا مفتوحا على ريع شهريٍ لا ينقطع.
إنه نظام ماهر في إدارة المرض، بارع في التغطية على الجرح دون أن يعالجه. لكنه، في العمق، نظام لا يريدك أن تشفى تماما.لأن الشفاء صفقة خاسرةوالمريض المزمن هو الزبون المثالي.
وفي زوايا هذا النظام كان الأطباء أول الضحايا قبل المرضى. لم يعد الناس يرون فيهم حكماء القبيلة بل موظّفين في ماكينة تستنزف الجيوب قبل الأجساد. ففقدوا قدسيتهم وتآكلت الثقة بهم. فتحت تلك الفجوة بابا واسعا لكل من يقدم وصفة بديلة حتى لو كانت على حافة الغرابة.
لم تكن صرخة الدكتور العوضي بـ«نظام الطيبات» مجرد نزق عابر ولا دعوة سطحية للعودة إلى الطبيعة. كانت زلزالا في صحراء اليأس. حين تتخلى عنك الأدوية الباهظة حين تشعر أن يد الشركة الدوائية تمتد من تحت السرير لتمسح عرقك وتترك فاتورتها الباهظة، فإن أي بديل، مهما بدا غريبا، سيكون محطة أمل. هذا هو سر رواج «نظام الطيبات» ليس لأنه مثالي بل لأنه محاولة يائسة وشجاعة للفكاك من سطوة منظومة جعلت من الأوجاع مصدر رزقها.
لكن الحكمة لا تكمن في التحول من إدمان الطب الغربي إلى تقديس الطب التقليدي دون تمحيص. لا نريد استبدال طاغية بطاغية. صحيح أن «نظام الطيبات» نجح في فضح العورة لكنه لم يقدّم بعد بناء مكتملا وهنا تحديدا يأتي دور القوة الحضارية الكامنة في الشرق: لا في رفض الغرب بماء الغضب بل في تشييد بديل متماسك.
فما الذي يمنعنا من بناء منظومة صحية خارج الهيمنة الغربية تستلهم حكمة الأجداد وتُلبسها ثوب العلم الحديث؟
ليس الأمر مستحيلا لكنه يحتاج إلى خطوات لا تحتمل التأجيل تبدأ أولا بفك الارتباط المالي بين التشخيص والربح. لا يمكن لطبيبٍ أن يكون نزيها وهو يتقاضى عمولة من شركة أدوية على كل وصفة يكتبها وأجر من مصحة على كل مريض يقيم فيها . نحتاج إلى نموذج يدفع فيه الطبيب ليبقيك معافى لا ليداويك مريضا.
كما لا يجب أن ننتظر موافقة المختبرات الغربية لنصادق على أن الحبة السوداء شفاء من كل داء أو أن العسل دواء للصدر أو أن البصل دواء ناجع لضربة الشمس. جامعاتنا قادرة على إجراء تجارب سريرية صارمة تصدر بروتوكلا صيدلانيا شرقيا يعتمد على التجربة العلمية والحكمة المشرقية معا.
ثم يجب استعادة نظرية «الطب الكلّي» فالإنسان ليس مجموعة أعضاء منفصلة ولا هو مختبر كيمياء. الإنسان روح تسكن جسدا وجسدا يئن من وجع روحه. لا يمكن فصل علاج القولون العصبي عن قلق النفس ولا فصل الضغط المرتفع عن ضغوط الحياة.
والاهم من كل هذا معالجة معضلة احتكار براءات الاختراع (التي اغلبها يكون بكفاءات مشرقية توظفها شركات Big pharma اذ يمكن لدول الشرق أن تنشئ بنكا دوائيا مفتوح المصدر تموله العوائد السياديةويكون هدفه البحث عن الشفاء لا عن الربح.
لا أنكر أن الرحلة شاقة. الهيمنة الغربية ليست فقط في المختبرات بل في العقول أيضا. كثير من أطبائنا يرددون النظريات الغربية كأنها مسلّمات وينظرون إلى الحجامة والعسل والحبة السوداء نظرة ازدراء لأن الأبحاث التي يقرؤونها ممولة من شركات لا تريد منافسا رخيصا. لكن اليأس ليس خيارا.
الشرق الذي كان يضيء العالم في غابر الأيام حين علّم الرازي وابن سينا أوروبا كيف تفحص المرضى وكيف تكتب الوصفات يمتلك اليوم كل مقومات النهضة: ثروة شبابية وتراثا غنيا وإرادة للتغيير. وما ينقصه ليس القوة بل جرأة الاعتراف بأن ما يقدّم حاليا ليس طبا بقدر ما هو استجداء على باب الغرب واستنزاف لرصيدنا البشري.
نظام الطيبات إذا ليس هدفا بل إشارة طريق. لا بأس في أن نحمي أنفسنا من سطوة بيغ فارما بالعودة إلى الجذور لكن الشفاء الحقيقي يبدأ حين نزرع جذور جديدة. حين نؤسس في بلادنا مراكز للطب التكاملي حيث يفحصك الطبيب بالسماعة الطبية وينظر إلى لسانك ويستمع إلى شكواك ثم يكتب لك حبة دواء إلى جانب جرعة من غذاء نقي وحصة من حركة يومية ونصيحة روحية.
إنه مشروع حضاري قبل أن يكون مشروع طبي. مشروع يستعيد كرامة المريض فيحوله من زبون دائم إلى إنسان يتعافى ويعيد للأطباء ثقة الناس فيصبحون حكماء حقا لا باعة وصفات طبية.
نعم يمكن للشرق أن يشق طريقه خارج الهيمنة. ليس بالصخب والهجوم على الغرب بل بالتأمل والعمل ببناء نموذج صحي بديل يكون بكل بساطة أكثر إنسانية. وحينها فقط سيتحول الألم من سوق يتربح منها الطغاة إلى درس للإنسان في ضعفه وإلى قوة تمنحها يد دافئة تمسح على جبين مثخن بالتعب فتعيد إليه يقينا قديما: أن الشفاء ليس في العلبة الزرقاء أو الحمراء ولا في الوصفة السحرية بل في تلك اللحظة الصادقة التي يشعر فيها السقيم أن أحدهم ما زال يؤمن بإمكانية قيامته من العتمة.

أ.نوال عباسي