بعد ثمانية وسبعين عامًا على النكبة الفلسطينية، لا تبدو بالنسبة للفلسطينيين مجرد ذكرى تُستعاد كل عام، بل واقعًا مستمرًا يتجدد بصور أكثر قسوة، خاصة في قطاع غزة، الذي يعيش منذ شهور حربًا مدمرة خلّفت آلاف الشهداء والجرحى، وأجبرت مئات آلاف العائلات على النزوح من منازلها إلى الخيام ومراكز الإيواء.
مشاهد النزوح المتكررة، وطوابير الماء والغذاء، والخيام الممتدة على أطراف الطرقات، أعادت إلى ذاكرة الفلسطينيين صور التهجير الأولى عام 1948، حين اضطر آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة بيوتهم تحت القصف والخوف، حاملين معهم ما استطاعوا من ذكريات وأمل بالعودة.
واليوم، وبعد مرور 78 عامًا، يجد الفلسطينيون أنفسهم يعيشون الظروف ذاتها، لكن في واقع أكثر قسوة، وسط حصار خانق ودمار واسع طال المنازل والبنية التحتية ومختلف تفاصيل الحياة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية أمام مرأى العالم.
نكبة تتكرر في حياة الفلسطينيين
داخل خيمة صغيرة غرب مدينة غزة، يجلس الثمانيني الحاج أبو العبد الذي عاش سنوات اللجوء الأولى مع عائلته، قبل أن يجد نفسه اليوم نازحًا من جديد، يراقب أحفاده وهم يحاولون التكيف مع حياة فرضتها الحرب.
يقول أبو العبد في حديثه لـ ” بوابة الهدف “، وهو ينظر إلى الأطفال المتجمعين داخل الخيمة: “كنا نسمع من أهلنا عن أيام النكبة، وكيف عاشوا في الخيام ينتظرون العودة، واليوم نعيش نحن وأطفالنا المشهد نفسه، لكن بصورة أصعب بكثير.”
ويضيف بصوت يملؤه الحزن:“خرجنا من بيتنا على أمل العودة بعد أيام قليلة، لكن الشهور مرّت ونحن نتنقل من مكان إلى آخر، لا يوجد أمان، ولا حياة طبيعية، فقط خوف دائم وقصف ونزوح.”
ويصف أبو العبد أن من المشاهد المؤلمة له، وهو رؤية الأطفال يعيشون التجربة نفسها التي عاشها الفلسطينيون قبل عقود، قائلًا: “حين أرى الأطفال ينامون على الأرض أو يقفون في طوابير الطعام والماء، أشعر أن التاريخ يعيد نفسه، الفرق الوحيد أن العالم اليوم يرى كل شيء بالصوت والصورة، ومع ذلك لا يتغير شيء.”
وكان الفلسطينيون يعتقدون عند وقوع النكبة، أنهم تاركو بيوتهم لأيام قليلة كون الغياب لن يطول، وفق رواية أبو العبد، وأن العودة ، وأن العودة ستكون بعد أيام أو أسابيع قليلة، إلا أن سنوات اللجوء امتدت لعقود طويلة، مشيرًا إلى أن المشهد يتكرر اليوم بصورة أكثر قسوة، حيث تعيش آلاف العائلات حالة النزوح ذاتها وسط الدمار والخوف وفقدان الاستقرار، بينما يتمسك الأهالي بالأمل في العودة إلى منازلهم رغم حجم الخراب الذي خلّفته الحرب.
الخيام… حياة قاسية بلا استقرار
وفي إحدى خيام النزوح بمدينة دير البلح، تحاول أم أحمد الحداد التكيّف مع حياة تفتقر إلى أبسط المقومات، بعد أن اضطرت للنزوح مع أطفالها إثر تدمير منزلها في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
وتقول أم أحمد، بينما ترتب بعض الأغطية داخل خيمتها، إن الحياة داخل مراكز النزوح أصبحت شديدة القسوة، خاصة على الأطفال، في ظل غياب الاستقرار ونقص الاحتياجات الأساسية.
وتوضح في حديثها لـ”بوابة الهدف” أن العائلة كانت تعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة قبل الحرب، إلا أن همّها اليوم بات يتركز في كيفية حماية أطفالها وتأمين الطعام والمياه لهم وسط الظروف الإنسانية الصعبة.
وتشير إلى أن مشاهد النزوح الحالية أعادت إلى الأذهان روايات الآباء والأجداد عن النكبة الفلسطينية الأولى، مضيفة أنها لم تتخيل يومًا أن تعيش التجربة ذاتها داخل الخيام بعد عقود طويلة من اللجوء الأول، و ما يعيشه الفلسطينيون اليوم يؤكد أن معاناة النكبة ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، مع تكرار مشاهد التهجير وفقدان المنازل والنزوح القسري، ورغم قسوة الحياة داخل الخيام، تشدد على تمسكها بالأمل والبقاء في الأرض، مؤكدة أن الفلسطيني اعتاد الصمود رغم كل ما يواجهه من معاناة وخسائر.
أطفال يكبرون على وقع النزوح
وفي مشهد يعيد إلى الأذهان تفاصيل اللجوء الأولى التي عاشها الفلسطينيون خلال النكبة، يواصل آلاف الأطفال في قطاع غزة حياتهم داخل الخيام ومراكز الإيواء، وسط ظروف إنسانية ونفسية قاسية فرضتها الحرب المستمرة.
يحكي المعلم خالد سالم، المتطوع في أحد مراكز الإيواء في شمال قطاع غزة، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، أن الأطفال يعيشون حالة من الخوف الدائم نتيجة القصف المتواصل، وأن كثيرًا منهم لم يعودوا قادرين على النوم بشكل طبيعي، فيما فقد آخرون أفرادًا من عائلاتهم خلال الحرب.
ويلفت سالم إلى أن آثار النزوح لا تقتصر على فقدان المنازل، بل تمتد إلى حرمان الأطفال من أبسط حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها التعليم واللعب والشعور بالأمان، مضيفًا أن إلى الأطفال يقضون أيامهم داخل الخيام المكتظة، في ظل غياب المساحات الآمنة والبيئة المناسبة لحياتهم الطبيعية، الأمر الذي يترك آثارًا نفسية عميقة على جيل كامل يكبر وسط الحرب.
ويشير إلى أن ما يعيشه أطفال غزة اليوم يعكس امتداد معاناة النكبة الفلسطينية بأشكال جديدة، حيث يتكرر مشهد النزوح واللجوء بعد مرور 78 عامًا على النكبة الأولى.
النكبة في أرقام
وتوثق الأرقام واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الفلسطيني، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون اليوم موجة نزوح جديدة بفعل الحرب المتواصلة على قطاع غزة وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية.
ويقول حاتم قرارية، رئيس قسم ديمغرافيا فلسطينيي الشتات في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، إن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ نهاية عام 2025 نحو 15.5 مليون فلسطيني، يتوزعون بين 7.4 ملايين داخل فلسطين التاريخية، ونحو 8.1 ملايين في الشتات، من بينهم 6.8 ملايين يقيمون في الدول العربية.
ويشير قرارية إلى أن نكبة عام 1948 تسببت في تهجير ما يقارب 957 ألف فلسطيني من أصل نحو 1.4 مليون فلسطيني كانوا يعيشون في فلسطين التاريخية آنذاك، مبينًا أن، إلى أن الفلسطينيين كانوا يقيمون قبل النكبة في نحو 1300 قرية ومدينة فلسطينية.
ووفق المعطيات التي أوردها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سيطرت “إسرائيل” خلال النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، فيما تم تدمير أكثر من 531 قرية وموقعاً فلسطينياً بشكل كامل، إلى جانب ارتكاب أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين خلال أحداث عام 1948.
ويؤكد قرارية أن “إسرائيل” أُقيمت بعد النكبة على نحو 77% من مساحة فلسطين التاريخية، في وقت ما تزال فيه آثار التهجير واللجوء مستمرة حتى اليوم.
وفي سياق العدوان المستمر على قطاع غزة، يوضح قرارية أن نحو مليوني فلسطيني نزحوا داخل القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويعيشون في ظروف إنسانية قاسية داخل مراكز الإيواء والمدارس والخيام، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، إضافة إلى الاكتظاظ وتدمير البنية التحتية والمنازل، مشيرًا إلى أن نزوح نحو 40 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة الغربية نتيجة العمليات العسكرية الصهيونية المتواصلة.
نزوح واسع واستيطان متواصل
وعلى صعيد الاستيطان، يلفت قرارية إلى أن عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية “الإسرائيلية” في الضفة الغربية بلغ حتى نهاية عام 2025 نحو 645 موقعاً، تتوزع بين 151 مستعمرة و350 بؤرة استعمارية، إضافة إلى 144 موقعاً آخر تشمل قواعد عسكرية ومناطق صناعية وسياحية.
ويتابع: يبلغ عدد المستعمرين في الضفة الغربية نحو 778,567 مستعمراً، بحسب بيان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ، تتركز النسبة الأكبر منهم في محافظة القدس بواقع 333,580 مستعمراً، يشكلون نحو 42.8% من إجمالي المستعمرين.
يؤكد أن سلطات الاحتلال صادرت خلال عام 2025 أكثر من 5,571 دونماً من أراضي الفلسطينيين، فيما تسببت اعتداءات الاحتلال والمستعمرين باقتلاع وتجريف أكثر من 81 ألف شجرة، غالبيتها من أشجار الزيتون، ما ألحق خسائر كبيرة بالقطاع الزراعي الفلسطيني ومصادر رزق آلاف العائلات.
النكبة… حكاية مستمرة
وبين الخيام والركام، يواصل الفلسطينيون التمسك بحقهم في الحياة والعودة، فيما تبقى مفاتيح البيوت القديمة وصور القرى المهجرة شاهدة على نكبة لم تتوقف منذ 78 عامًا، بل تتجدد اليوم في غزة بصورة أكثر قسوة.
ورغم الحرب والدمار والنزوح، لا يزال الفلسطيني يردد في كل مرة: “قد تتغير الأماكن وتشتد الظروف، لكننا باقون على هذه الأرض.
كريمة شهاب/بوابة الهدف الإخبارية
