يشكل التقرير السياسي الصادر عن الحزب الشيوعي في مايو 2026 لحظة فارقة في تاريخ العمل السياسي داخل سورية الطبيعية (الهلال الخصيب). فنحن لسنا أمام مجرد تحديث لمفردات حزبية، بل أمام «انعطافة نهضوية» تعيد الاعتبار لمفهوم «الأمة» و«الوطن» كحاضنة وحيدة للمشروع السياسي، متجاوزةً بذلك عقوداً من التيه بين الأممية الجوفاء والصراعات الطبقية المنعزلة عن واقع الجغرافيا السياسية.

أولاً: صهر الأيديولوجيا في بوتقة السيادة

​إن انتقال الخطاب الشيوعي من «الأممية الطبقية» إلى «السيادة الوطنية» ليس تراجعاً أيديولوجياً، بل هو نضوج في فهم الواقع المشرقي. فالسيادة في فكر النهضة ليست شعاراً، بل هي ممارسة السلطة القومية على الأرض والموارد.

  • وحدة المصير: حين يربط الحزب بين أمن بيروت والعراق والواقع في دمشق، فإنه يقرّ ـ وإن لم يستخدم المصطلح صراحة ـ بوحدة البيئة الجغرافية والمصالح التي تجمع أبناء الهلال الخصيب.
  • تغيير طبيعة الصراع: تحول «العدو» من البرجوازي المحلي إلى «المشروع التفتيتي الإمبريالي» يعكس إدراكاً بأن الصراع الطبقي لا يمكن أن يحسم في مجتمع ممزق أو تحت احتلال. فالوطن هو «البيت» الذي يجب حمايته قبل ترتيب أثاثه الداخلي.

ثانياً: العلمانية المقاومة كحجر زاوية للوحدة

​يلتقي هذا الخطاب في جوهره مع مبادئ النهضة القومية الاجتماعية في طرح العلمانية كحل وحيد لمواجهة التفتيت.

  • اجتثاث الطائفية: حين يصف البيان الطائفية بأنها «أداة تفتيت داخلي»، فإنه يتبنى الرؤية التي ترى في الانتماءات المذهبية عائقاً أمام تشكل «الإرادة العامة».
  • المواطنة العسكرية: الدعوة للخدمة الإلزامية والجيش الوطني هي دعوة لصهر الأفراد في بوتقة واحدة، وهو تحول من «الميليشيا الحزبية» إلى «القوة القومية» التي تحمي الدولة، وهو ركن أساسي في بناء أي أمة قوية قادرة على فرض إرادتها.

ثالثاً: من «الاقتصادوية» إلى الجيوسياسة الوجودية

​تجاوز الحزب في تقريره الأرقام الصماء ليدخل في صلب الصراع الوجودي على الموارد والممرات. هذه القراءة النهضوية تدرك أن:

  • ​الأرض ليست مجرد مساحة للسكن، بل هي مخزن للثروات وممر للطاقة.
  • ​التحكم في الممرات المائية (من هرمز إلى المتوسط) هو جوهر السيادة في القرن الواحد والعشرين. هذا التحول يقرب اليسار من الواقعية القومية التي ترى في الجغرافيا المحرك الأساسي للتاريخ.

رابعاً: التماهي مع الفكر القومي الاجتماعي

​إن نقاط التقاطع بين هذا البيان ومبادئ أنطون سعادة مذهلة في دقتها، وكأن «واقع الحرب» قد أجبر الجميع على العودة إلى «الحقائق الأولية»:

  1. الاستقلال الروحي والسياسي: رفض المفاوضات المذلة والإصرار على أن «لا أحد يفاوض عن الأمة إلا الأمة» هو جوهر الكرامة القومية.
  2. المقاومة كفعل نهضوي: المقاومة في هذا الخطاب لم تعد «أداة إقليمية»، بل فعل تحرر وطني شامل يستهدف استعادة الأرض والسيادة، إنها الرافعة السيادية التي تعبر بالأمة من درك التفتت الطائفي والتبعية الذليلة إلى فضاء ‘الفعل التاريخي المستقل’. فالمقاومة هنا هي فعل نهضوي بامتياز، يرى في تحرير الأرض فعل تطهيرٍ داخلي لا ينفصل عن تحرير العقل من التخلف والمجتمع من الانقسام.
  3. أولوية «الوطن» على «الطبقة»: هذا «التأميم» للمبادئ الماركسية يثبت أن الانتماء القومي هو الانتماء الأولي والأقوى في لحظات الخطر الوجودي.

خاتمة: نحو جبهة وطنية عريضة

​إن «المركزية الوطنية» التي برزت في عام 2026 تثبت أن الأيديولوجيات في بلادنا بدأت تتخلى عن صراعاتها الهامشية لتتوحد حول «ثابت الأمة». لقد صهرت نيران العدوان الفوارق بين «الشيوعي» و«القومي»، ليقف الجميع خلف متراس واحد: دولة علمانية، سيادة مطلقة، ومقاومة لا تساوم.

​هذا التحول هو التمهيد الحقيقي لنهضة شاملة، تبدأ من تحرير الأرض وتصل إلى بناء إنسان جديد، يعتز بانتمائه إلى هذه البيئة الجغرافية والتاريخية العظيمة، بعيداً عن قيود الطائفية والتبعية.

د.نبيلة عفيف غصن