لم يعد الاستيطان الإسرائيلي مجرد جرافة تقتلع شجرة زيتون، أو مستوطن يضع كرفاناً على قمة جبل؛ بل تحول إلى أخطبوط مالي وسياسي هائل، تتقاطع فيه مصالح حكومية مع شركات عالمية ومنظمات “خيرية” مزعومة، لتمويل مشروع يهدف إلى محو الهوية الفلسطينية من الخارطة.
قرية “زنوتة”.. مأساة مصغرة للضفة الجريحة
يبدأ المشهد من قرية “زنوتة”، تلك القرية الوادعة التي يمتهن سكانها الرعي، لكنها اليوم تختنق. ليست محاصرة بالأسلاك الشائكة فحسب، بل بطوق استيطاني يضم مناطق صناعية ومستوطنات كبرى مثل “تينه” و”ميتار”. “زنوتة” ليست إلا نموذجاً مصغراً لما يجري في الضفة الغربية، حيث تُبتلع الأرض تحت غطاء “التوسع العمراني”.
أرقام الصدمة: مليارات الشواكل لترسيخ الاحتلال
كشف الفيديو عن أرقام مرعبة تعكس حجم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء حلم الدولة الفلسطينية:
2.7 مليار شيكل: ميزانية خصصها الوزير المتطرف “بتسلئيل سموتريتش” لتمويل البنية التحتية الاستيطانية خلال السنوات الخمس القادمة.
7 مصارف إسرائيلية و4 بنوك عالمية: تتورط بشكل مباشر أو غير مباشر في تقديم تسهيلات مالية وقروض لبناء المستوطنات.
158 شركة: كشفت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن نشاطها في المستوطنات، منها 138 شركة إسرائيلية و20 شركة أجنبية.
قائمة “العار” التجارية.. أسماء لامعة في خدمة الاستيطان
الصدمة الحقيقية تكمن في تورط أسماء عالمية كبرى في هذا القطاع، حيث تساهم شركات سياحية وتكنولوجية وإنشائية في إنعاش اقتصاد المستوطنات:
قطاع السياحة: (Airbnb, Booking.com, Expedia, TripAdvisor) – شركات تروج للسياحة على أراضٍ مغتصبة.
قطاع الإنشاءات والهندسة: شركات من إسبانيا (ACS, CAF, Ineco)، فرنسا (Egis Rail)، وبريطانيا (JCB, Greenkote).
الدول الداعمة: تبرز الولايات المتحدة، كندا، فرنسا، وألمانيا كمنابع أساسية لهذه الشركات أو الجمعيات الممولة.
لا يتوقف الأمر عند الشركات، بل يمتد لشبكة معقدة من المنظمات اليمينية المتطرفة في أمريكا، مثل “صندوق إسرائيل المركزي” و”صندوق الخليل” في بروكلين. هذه الجهات تضخ مئات ملايين الدولارات (المعفاة من الضرائب!) لا لبناء البيوت فقط، بل لدعم التعليم الديني المتشدد وتسليح المستوطنين الذين يشنون هجمات إرهابية ضد المدنيين الفلسطينيين في القدس والضفة.
الخلاصة:
إن ما يحدث ليس “نزاعاً على حدود”، بل هو اقتصاد استيطاني متكامل تقف خلفه شبكة عابرة للقارات. كل حجر يُبنى في مستوطنة، وكل طريق يُشق، يقف خلفه تمويل سياسي ومالي عالمي، ليجد الفلسطيني نفسه محاصراً في أرضه، مهدداً في حياته، ومحارباً في أبسط حقوقه.
السؤال الذي يبقى معلقاً: إلى متى سيبقى ضمير العالم “معفى من الضرائب” أمام هذا التغول الاستيطاني؟
د. نبيلة عفيف غصن