​في اللحظة التي تنحني فيها هاماتُ القوة الرسمية، وتنشغل البيروقراطية الأمنية بضبط “عدسات الكاميرا” بدلاً من ضبط “إحداثيات العدو”، يخرج مارد الكرامة السورية من حطام التهميش ليقول كلمته. ما شهدناه في ريف درعا، وتحديداً في مواجهة التوغل الإسرائيلي عند وادي الرقاد وحوض اليرموك، ليس مجرد حدث عابر، بل هو إعلان وفاة للعقائد العسكرية الهشة، وشهادة ميلاد متجددة لإرادة شعب لا يقبل الانحناء.
​1. “الفزعة” كفعل سيادي لا انفعال عابر
​حين تغيب المؤسسة، تحضر “الهوية”. هؤلاء الشباب الذين اندفعوا بصدورهم العارية وبقايا سلاح صدئ لم يتحركوا بأمر عسكري، بل بـ “قانون الغيرة” الذي لا يفهمه من اعتاد الجلوس خلف المكاتب. إن نعت هذه التحركات بـ “التخلف” هو قمة السقوط الأخلاقي؛ فالمواطن الذي يذود عن أرضه في ظل غياب جيشه هو الحارس الحقيقي للسيادة، وما “الفزعة” إلا الرد الطبيعي لكرامة الإنسان حين يرى جرافات الاحتلال تنهش لحم وطنه بصمتٍ مريب.
​2. “فزعة” السيادة أم “فزعة” الفتنة؟: كسر صنم الانتقائية
​وهنا نضع الإصبع على الجرح الذي ينزف نفاقاً وتضليلاً؛ إذ يبرز سؤال نهضوي حارق: لماذا يُراد لـ “الفزعة” أن تكون نمرةً شرسة في الصراعات البينية، وحمامة سلام وادعة أمام دبابات الاحتلال؟
​إنها المفارقة الموجعة؛ أن نرى الحشود تُعبأ، والنفوس تُشحن، والأسلحة تُشهر في وجه المكونات السورية، ضد الدرزي في جبل العرب أو العلوي في الساحل، وكأن العدو يسكن في البيت المجاور، بينما تصاب هذه “النخوة” بشللٍ رعاش حين تقضم الجرافات الإسرائيلية تراب وادي الرقاد!
إن “الفزعة” التي لا تتحرك إلا ضد الشريك في الوطن هي فزعة مشبوهة، تخدم أجندة المحتل ولا تخدم كرامة الأرض. السيادة لا تتجزأ، والتراب السوري ليس “سُنيّاً” ولا “علوياً” ولا “درزياً”، إنه سوريٌّ وكفى. وأي سلاح يُرفع في وجه الداخل بينما العدو يتربص بالخارج هو سلاحٌ فقد شرعيته الأخلاقية والوطنية. إن حصر “الفزعات” في الصراعات الطائفية هو “مؤامرة خسيسة” لتدمير النسيج الاجتماعي تمهيدا لضياع السيادة الكبرى.
​يطرح الواقع السوري اليوم تساؤلاً مريرًا: من الذي أفرغ المخازن من بارودها؟ إن نهضة الأمم لا تُبنى على أطلال مطارات مدمرة وسلاح استُنزف في قمع الداخل وفي النزاعات الطائفية المفتعلة. إن سياسة “الاختبار والتوغل” التي تمارسها إسرائيل اليوم هي النتيجة المنطقية لتحويل البوصلة عن العدو الحقيقي. لا يمكن الحديث عن نهضة دون إدراك أن قوة السلاح تفقد قيمتها الأخلاقية إذا لم تكن درعاً يحمي الفلاح في أرضه والحدود في ثباتها.
​4. وهم “المناطق العازلة” وحقيقة القضم الهادئ
​تدرك إسرائيل أن “الصمت” والانشغال السوري بالفتن الداخلية هو الضوء الأخضر الأمثل لتنفيذ استراتيجية قضم الأراضي. البدء بـ “سياج أمني” ثم “منطقة عازلة” ينتهي بفرض واقع جغرافي جديد يلتهم القرى والوديان. هذا التمدد لا يُكسر بالبيانات الخشبية، بل بخلق “كلفة حقيقية” للاحتلال عبر وحدة وطنية تتجاوز المذاهب لتلتحم بالتراب.
​لكي لا تبقى صرخة درعا صدى في وادٍ سحيق، يجب الانتقال من حالة “العجز” إلى “الفعل”:
​تأميم الكرامة: تقديم مصلحة التراب الوطني على كل صراعات البقاء السلطوي أو المكوناتي.
​تحويل “الفزعة” إلى “استراتيجية”: يجب أن تكون الغيرة الشعبية هي المحرك لبناء مؤسسة وطنية تحمي الجميع، لا أداة لتصفية الحسابات الداخلية.
​البوصلة الواحدة: توجيه القوة نحو العدو الذي يغتصب الأرض، والكف عن استنزافها في حروب “الإخوة الأعداء”.
​خاتمة: الإنذار الأخير
إن ما حدث في درعا هو مرآة كاشفة؛ أظهرت لنا أن “الروح” السورية لا تزال حية، تقاتل بالظفر والناب، لكنها أظهرت أيضاً أن “الجسد المؤسساتي” يعاني من شلل سيادي مرعب نتيجة الانقسام. التوغل بلا ثمن هو احتلال للعقول قبل الأرض. إما فزعة وطنية شاملة تزلزل الأرض تحت أقدام الغزاة وتوحد السوريين بكل أطيافهم، أو فلتصمت “نخوة” لا تظهر إلا على مائدة الفتنة.
لن يكون هناك وطن لنا إلا حين ندرك أن السيادة ليست “علماً” يُرفع، بل “إرادة” تُفرض.

د.نبيلة عفيف غصن