لم يعد مدرب كرة السلة المخضرم غسان سركيس يكتفي برسم الخطوط التكتيكية فوق الملاعب، بل بات اليوم يرسم خطوطاً حمراء بدم الموقف فوق خارطة الوطن. في تصريح هزّ أركان المجتمع السياسي اللبناني، لم يكتفِ سركيس بتحديد انتمائه الثقافي، بل ذهب إلى “الذروة الثورية” ليعلن انحيازه الكامل والمطلق لخيار السلاح والمواجهة.
ثنائية الفن والموقف: لبنان “الكرامة” لا “الاستعراض”
بصرامة القائد الذي لا يعرف المناطق الرمادية، قالها سركيس: “أنا مع لبنان فيروز وجوليا بطرس، أنا مش مع لبنان مي شدياق وإليسا”. هذا ليس ذوقاً موسيقياً، بل هو إعلان عن لبنان الذي يغني للأرض والعودة والقدس، ورفضٌ قاطع للبنان “السيادة المزيفة” والارتهان للسفارات. هو انحياز للصوت الذي يسند البندقية، في وجه الصوت الذي يحرّض على المقاومة.
“رينجر” المقاومة: قبلة الوفاء على جبين الجنوب
ولأن الثورة لا تقبل أنصاف المواقف، أطلق سركيس تصريحه الأكثر جدلاً وتحدياً: “أنا أركع أمام أحذية (رينجر) المقاومين وأقبلها”. بهذه الكلمات، حطم سركيس كل تابوهات “البرستيج” الطبقي والطائفي، واضعاً كرامته الشخصية وتاريخه الرياضي في كفة، وتضحيات المقاومين في كفة أخرى. هو لم يقلها كشعار، بل كفعل إيمان برجل يرى أن حذاء المقاتل الذي يحمي الحدود أطهر من صالونات السياسة الملوثة بالتنازلات.
سقوط أقنعة “اليمين” القديم
ما يمنح كلمات سركيس طابعاً “متفجراً” هو ماضيه؛ فابن بكفيا الذي كان يوماً في قلب القوات والكتائب، أعلن اليوم وفاته السياسية القديمة ليعيش ولادة جديدة في رحاب المقاومة. هو “انقلاب ثوري” على الذات أولاً، وعلى المنظومة التي نشأ فيها ثانياً. بالنسبة له، لبنان اليوم يُختصر في “بندقية وعزيمة”، وأي حديث آخر هو “ثرثرة” لا تليق بحجم التضحيات.
الخلاصة: خندق واحد لا خندقان
غسان سركيس وضع الجميع أمام الحقيقة المرة: لا مكان للحياد حين يكون العدو على الأبواب. فبين “رينجر” المقاوم وصوت جوليا، وبين صالونات “مي وإليسا”، اختار سركيس أن يكون فدائياً بالكلمة، مؤكداً أن لبنان الذي يشبهه هو لبنان “العزة” الذي لا يصافح، ولا يساوم، ولا ينحني إلا لبطولات رجاله.
