طهران الدولة وإيران القارة
إيران ليست دولة بقدر ما هي قارة، بل هي حضارة أكثر منها أمة. هذا الكلام للأكاديمي مايكل أكسورثي المؤلف البريطاني. والرئيس السابق لقسم إيران في وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية.
ما يحدث الآن في السياسة لا يبدو كدبلوماسية تقليدية وفاعلة، بل أشبه برقعة شطرنج تحرك قطعاته تحت الضغط دون تفكير. فمن جهة، يُظهر دونالد ترامب ثقةً بإعلان القوة، وفي لحظة ثانية ينقلب. هذا النمط من الرسائل السريعة يكاد يضاهي سرعة أخبار الأسهم في البورصات.
الخبير والكاتب الأمريكي، كريستوفر كالدويل، يقول إن الولايات المتحدة وصلت مرحلة خطيرة، من التراجع. وتقترب من اعتبارها «إمبراطورية في مرحلة الانحطاط». ويحذر، من الإقدام على أي مغامرة عسكرية أمريكية فاشلة، في الشرق الأوسط لأنه لا يعقل أن تتعامل الولايات المتحدة مع أزمات معقدة، دون أن تحسن التحكم، في نتائجها. ومخارجها.
استدل في كلامه، على اتخاذ قرارات. جعلت الإدارة الأمريكية. أقرب إلى حكم إمبراطورية. وليست دولة مؤسسات، بينما يمارس دونالد ترامب، هذا الدور بحرفية تامة. مع تحول الحروب إلى عبء على أمريكا. وأنذر، من تكرار مصير بريطانيا العظمى. وانهيارها في مناطق النفوذ.
في الضفة الثانية، تعمل إيران باستراتيجية الانتصار بالنقاط، على أكثر من جبهة. السياسية والعسكرية والإعلامية. وتتحرك في جغرافيا الحلفاء بذكاء، وبتزايد التركيز على الصين تضرب طهران، أكثر من هدف بحجر واحد. وبكين مهتمة بشكل كبير بنتائج هذه المعركة، وهي القوة الهادئة، المراقبة لأحداث بدقة. وتحسب ما يجري بتقاطعات مصالحها. وتنتظر اللحظة المناسبة، للتأثير على النتيجة، بدلاً من ردود أفعال غير مدروسة.
أما استراتيجية إيران الطويلة الأمد والضربات المحسوبة مدروسة كذلك من جهات متعددة. هذا ما يدفع شعورها بالقوة في تشديد اللهجة في بعض المواقف، حتى مع بقاء المخاطر الجيوسياسية الفعلية عالية للغاية.
في مثل هذه اللحظات، تُعدّ صورة السياسي والدبلوماسي الذي يحسن اللعب على التقاطعات وتضارب المصالح مهمة جداً. وما يسوق في الإعلام لا تقل أهميته عما يجري في الساحات، لأن كل تغيير في اللغة له تأثيره في الجبهات. كما يُشير إلى معنى ربما تؤدي إلى إعادة تموضع، أو تصعيد في خطوط النار.وبين الجبهة الدبلوماسية والعسكرية تقاسم للأدوار وتكامل للأهداف.
لم تكن المواجهة بين إيران وأمريكا حرب من أجل النووي. أو لإسقاط النظام فقط، بل للسيطرة المطلقة على التوازنات الجيوسياسية، في مضيق هرمز. والمنطقة لضمان تدفق النفط تحت الهيمنة الأمريكية، كما هي حرب على العقول، المتطلعة للمعرفة والاقتدار، لدولة تتقدم رغم الحصار. وبشكل ملفت.
منذ البداية أمسكت طهران، بخيوط قواعد الاشتباك. لأنها تدرك العمق الحقيقي لهذه الحرب. صحيح أن الأمريكي بدأ العدوان ودمر الكثير، لكن إيران أفشلت الخطة. وامتصت الضربة بصمودها. وعمّت مصادر رؤية العدو داخلياً وخارجياً. وبردها السياسي قلبت معركة الشرعية لصالحها. وبتدمير قواعده العسكرية غيرت مجريات الحرب، عكس التخبط الأمريكي، مما ينم عن تحضير دقيق للمعركة. وباستخدامها لإحدى أوراقها الاستراتيجية لمضيق هرمز. أظهرت طهران أنها تتقن حياكة استراتيجياتها حتى في مضائق البحار.
إيران القارة، قرأت بشكل متقدم خطوات العدو. وما يجب أن تتخذه، وتتعامل به في السياسة. وفي العسكر بين النفس الطويل والردود الخاطفة المدمرة، وتطبيق نظريتها بالإيحاء للعدو، بأنها ضعيفة. وتتطلع إلى مفاوضات ومخرج مقبول لتنقذ عليه.
لعبت إيران على ضرب مصداقية أمريكا. العسكرية والسياسية والإعلامية، حتى لا يستيقن بها أحداً بعد اليوم ونجحت، ولن تكون تحالفاتها كما كانت في السابق. وتقترب إيران اليوم لبلورة، خطوة مهمة في النظام العالمي الجديد، خصوصاً بعد ظهور الأمريكي بهذا المستوى من العجرفة والغرور.
بهذا المشهد، استطاعت طهران تحويل ضربات العدوان إلى فرصة لفضح الوجه الأمريكي القبيح أمام حلفائها وأعدائها معاً.
تدرك طهران أن أعظم انتصاراتها لن تكون في ميدان المعركة فالترسانة العسكرية الأمريكية لا تقاس بما تملكه إيران، بل بكشف الحقيقة التي طالما أخفتها الدعاية الأمريكية لقوتها بأساطير سوّق لها الإعلام وصدقها العالم دون ذكر أن لكل قوة نقاط ضعف ولكل تجبر سقوط.
كما أدركت طهران التناقضات، بين المؤسسة السياسية والعسكرية وعملية التأكل البيروقراطي الداخلي. ولعبة الإعلام ومستوى استعداد الجيش الأمريكي الذي يعمل بعقلية حروب القوة واستخدمت إيران أسلوب “المواجهة المنخفضة التكلفة بهدف فرض تكلفة باهظة”. وقد دفعت هذه الاستراتيجية الجيش الأمريكي إلى حالة من الإحباط الشديد. وتناقض بين القيادة السياسية والعسكرية. وألحقت به خسائر فادحة في كل قواعده في الشرق الأوسط. وتكلفة باهظة.
حسن بن عمارة
