بين تلال “عوكر” الرابضة فوق أنفاس بيروت، لم تعد الأسوار مجرد حدودٍ دبلوماسية، بل تحولت إلى لغزٍ سياديّ يصفع وجه الدولة كل صباح. حين تتحول “السفارة” إلى مدينةٍ استخباراتية متكاملة، تضم مطاراتٍ، ومستشفيات، وسجوناً، ومهابط للهليكوبتر، وجيوشاً من “المارينز” والـ CIA، فنحن لا نتحدث عن تمثيلٍ دائم، بل عن قاعدة عسكرية متقدمة وإدارة حاكمة تدير المشهد من خلف القضبان والشباك الشائكة.
​ماذا يحدث خلف الأسوار؟
​المعطيات الميدانية لم تعد خافية على أحد، والتساؤلات لم تعد مجرد هواجس، بل حقائق تفرض نفسها:
​ثكنة لا مكتب: هل تحتاج “سفارة” لمدارج طائرات شحن عسكرية وناقلات ذخيرة تتحرك بين البحر و”حامات”؟
​دولة داخل الدولة: سيارات مصفحة، آليات لليونيفيل، وحتى سيارات إسعاف تتحرك بمعزل عن رقابة الدولة اللبنانية وأجهزتها.
​منظومة التجسس: أبراج تخترق الخصوصية اللبنانية، ترصد الأنفاس، وتراقب الهواتف، وتحلل البيانات، لتكون “المطبخ” الأول لكل مؤامرة تُحاك ضد استقرار هذا البلد.
​”حين تصبح المساحة الجغرافية للسفارة أكبر من مربعات أمنية لدول، وحين تصبح السجون داخلها تتسع للمئات، فاعلم أنك لست أمام بعثة دبلوماسية، بل أمام مقر قيادة مركزي لإدارة الفوضى.”

​عن أي سيادة تتحدثون؟

​بينما ينشغل الساسة في “بعبدا” و”ساحة النجمة” و”قريطم” بتقاسم الحصص والفتات، هناك من يضع خرائط لبنان على طاولة “عوكر”.
​كيف يقبل “أصحاب السيادة” بوجود قوة عسكرية أجنبية تمنع حتى سكان المنطقة من الاقتراب من منازلهم؟
​كيف تُنقل الذخائر وتُحشد القوات تحت مسمى “دبلوماسي” بينما الوظيفة الحقيقية هي خنق المقاومة وتطويق بيئتها؟
​إن استهداف طائفة بعينها، وتحديداً الطائفة الشيعية التي شكلت صخرة في وجه المشاريع الصهيونية والأمريكية، ليس صدفة. بل هو قلب المشروع الذي يُدار من تلك الغرف المظلمة؛ بهدف تفكيك النسيج الوطني وضرب مكامن القوة في لبنان.

​الخلاصة: لبنان في عين العاصفة

​ما يجري في عوكر ليس مجرد بناء حجري، بل هو تجسيد للاحتلال المقنع. إنها قلعة الحاكم العسكري الذي يرى في لبنان مجرد “ساحة” لا “وطن”.

​يا أصحاب الشعارات الرنانة:

إن السيادة لا تُجزأ، والكرامة لا تُباع في سوق النخاسة الدبلوماسي. إذا كان المطار والسجن والمركز الاستخباراتي ينمو وسط أرضنا دون حسيب أو رقيب، فعلى استقلالكم السلام، وعلى سيادتكم ألف علامة استفهام!

​آن الأوان لرفع القناع عن “الجمهورية المحاصرة” من داخل حدودها.

د.نبيلة عفيف غصن