اليوم ، وأمام سيل جارف من مقولات التشويه والتضليل للمرحلة التاريخية التي نمر بها يرى المرء نفسه ملزما ومضطرا إلى إعادة بناء الحقيقة.
ولعل أهم المقولات المضللة السائدة اليوم هي الآتية:
” لولا وجود حزب الله وسلاحه واعتداآته على “إسرائيل” لما اعتدت “إسرائيل” على لبنان ولما هاجمته ، فحزب الله هو من يستجلب إسرائيل للهجوم على لبنان”.
ويجتهد بعض المنظّرين من لبنانيين وغيرهم لاختزال الحرب الإسرائيلية على لبنان الدائرة رحاها اليوم في جنوب لبنان بوصفها حربا إسرائيلية إيرانية مسرحها أرض لبنان.
المغالون منهم يتوغلون في تشويه الحقيقة وتضليل الناس ، ففي التفافة مفضوحة على الواقع المعاين والمُشاهد يقول أحدهم:”لا يوجد في لبنان شيء اسمه حزب الله ، هناك حرس ثوري إيراني على الحدود… قتاله يخدم الأهداف الإيرانية ويدمر لبنان”.
وما يسفه جذريا هذه المقولة وينقضها هو ضحايا إسرائيل في جنوب لبنان ، فجميعهم من مقاتلين ومدنيين وصحفيين هم لبنانيون أبا عن جد ، معروفون بالأسماء ويشيّعون في ربوع القرى اللبنانية محمولين بنعوشهم ، لا تسجل الوقائع مقتل إيراني واحد من الحرس الثوري على أرض الجنوب.
قبل الثورة الإيرانية 1979 وقبل ظهور حزب الله 1982 كان يسود المنطق ذاته فالحرب التي تدور في لبنان هي حرب فلسطينية إسرائيلية ولا علاقة للبنان بها. منطق يتوافق مع العبارة الشهيرة التي أطلقها غسان تويني: “حرب الآخرين على أرض لبنان” وهو منطق متهافت تدحضه الذاكرة التاريخية وتسفهه ، كما يسقط سقوطا مدويا أمام أحداث ووقائع تسجلها هذه الذاكرة عن المرحلة.
ولو سلمنا أن حرب إسرائيل على لبنان هي تارة حرب اسرائيلية فلسطينية وطورا حرب اسرائيلية إيرانية وأن دواعيها الوجود الفلسطيني المسلح مرة والوجود الإيراني المسلح مرة أخرى ، فماذا يمكن أن يُقال في حرب اسرائيل على لبنان قبل 1965 ولم تكن لا الثورة الفلسطينية انطلقت ولا الثورة الإيرانية تحققت ، وحزب الله كان في بطن أمه…
قبل ذلك التاريخ لم يكن يوجد فلسطيني واحد مسلح على أرض لبنان ، ولم يكن شيعي (إيراني) واحد مسلح على أرض لبنان. إن توثيق حرب اسرائيل على لبنان واعتداآتها عليه في تلك المرحلة تتطلب تأليف كتاب سميك من ألوف الصفحات:
مازالت مجزرة بلدة حولا (1ت2 1948) حاضرة في ذاكرة الجنوبيين ، التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية وذهب ضحيتها حوالي 93 فردا من المدنيين المسالمين ، قتلهم الإسرائيليون بدم بارد.
طيلة الخمسينات كان القصف مستمرا على قرى لبنان والخروقات الإسرائيلية لحدوده كانت يومية.
طيلة 1960 لم تكن إسرائيل توفر لبنان بما فيه الجيش اللبناني وكله موثق ومدون… من نسف للمنازل وخزانات المياه واقتلاع الأشجار وحرق شتول التبغ……
بين 1948 و1965 كان جنوب لبنان (ضفة غربية) ، ما تفعله إسرائيل اليوم بالضفة الغربية كانت تفعله في جنوب لبنان.
منطق أن حرب اسرائيل واعتداءاتها على لبنان سببه وجود حزب الله وسلاحه واعتداءاته على “إسرائيل” ، منطق مضلل ولا يستقيم.
المنطق السليم هو عكس ذلك تماما فوجود حزب الله وسلاحه وقتاله لإسرائيل سببه حرب اسرائيل على لبنان واعتداءاتها المستمرة عليه منذ تأسيسها عام 1948 قبل ظهور أي مسلح على أرض لبنان خارج الدولة……
د. عبدالرحمن قوطه
7/5/2026