يخطئ من يظن أن ما جرى في الفجيرة حادثة أمنية عابرة، أو مناوشة تقنية يمكن احتواؤها ببيانات دبلوماسية باردة. نحن أمام لحظة كاشفة، لحظة انكشاف بنيوي في معادلات القوة، حيث تتعرّى المشاريع الكبرى عندما تصطدم بصلابة الجغرافيا وإرادة الفاعلين فيها. الخليج لم يعد ذلك المسرح الهادئ الذي تُدار فيه الصراعات عن بُعد، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوح تُعاد فيها صياغة قواعد السيطرة على الطاقة والممرات البحرية بوعي استراتيجي حاد وإيقاع متسارع.
أولاً: سياق الصراع و”خطة قشم” كرهان على خنق الجغرافيا
في قلب هذا المشهد تقف جزيرة قشم، لا كقطعة أرض معزولة، بل كمفتاح جيوسياسي يتحكم بمفصل من أخطر مفاصل العالم: مضيق هرمز. من يسيطر على قشم، يمتلك القدرة على التأثير المباشر في شريان الطاقة العالمي. من هنا جاءت “خطة قشم” كرهان أمريكي على إنشاء موطئ قدم عسكري متقدم يتيح التحكم الاستباقي بالمضيق، ليس فقط لحمايته بل لإعادة تعريف قواعد السيطرة عليه. الفكرة الجوهرية كانت نقل المعركة من ردّ الفعل إلى المبادرة، وانتزاع ورقة الضغط من أي قوة إقليمية قد تستخدم إغلاق المضيق كسلاح استراتيجي.
ثانياً: الفجيرة كقاعدة خلفية… من الاقتصاد إلى العسكرة
لم تكن هذه الخطة لتنجح دون بنية لوجستية صلبة، وهنا برز الدور المحوري لميناء الفجيرة. هذا الميناء لم يعد مجرد منشأة تجارية، بل تحوّل إلى قاعدة خلفية متقدمة، تُستخدم لتأمين استمرارية العمليات بعيداً عن مرمى الاشتباك المباشر داخل الخليج. خط أنابيب حبشان–الفجيرة “أدكوب” شكّل العمود الفقري لهذا التصور، باعتباره الرئة البديلة التي تسمح بتجاوز مضيق هرمز. بمعنى أدق، كان الهدف تفريغ المضيق من قيمته الاستراتيجية وتحويله من نقطة اختناق إلى تفصيل يمكن تجاوزه.
جاء استهداف الفجيرة ليقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. لم تكن الضربة تكتيكية محدودة، بل كانت إعلاناً عن تحول جذري في طبيعة الصراع: من الدفاع إلى الضربات الاستباقية التي تستهدف البنية التحتية قبل اكتمالها. ضرب “أدكوب” لم يكن استهدافاً لمنشأة نفطية فحسب، بل كان استهدافاً لفكرة استراتيجية كاملة. الرسالة كانت حاسمة: لا ممرات بديلة آمنة، ولا التفاف على الجغرافيا دون كلفة باهظة.
رابعاً: سقوط منظومات الحماية وانكشاف الوهم العسكري
الأخطر من الضربة نفسها كان ما كشفته من هشاشة في منظومات الدفاع. فشل اعتراض المسيرات والصواريخ وضع “سنتكوم” أمام مأزق حقيقي، وأظهر محدودية فعالية الأنظمة الدفاعية المتطورة، سواء الأمريكية أو المستوردة من الكيان الصهيوني. هذا السقوط لم يكن تقنياً فقط، بل كان سقوطاً في صورة الردع، حيث تبيّن أن التفوق التكنولوجي لا يعني حصانة مطلقة، وأن الخصوم القادرين على الابتكار يمكنهم كسر أكثر الأنظمة تعقيداً بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.
لم تبقِ هذه التطورات آثارها في المجال العسكري فقط، بل امتدت لتضرب عمق الاقتصاد العالمي. تقدير الخسائر بـ520 مليار دولار يعكس حجم الذعر الذي أصاب أسواق الطاقة والتأمين البحري. لم يعد النفط مجرد سلعة، بل أصبح رهينة معادلات أمنية معقدة. كل ناقلة باتت مشروع مخاطرة، وكل مسار شحن بات خاضعاً لحسابات التوتر والاحتمال.
في قلب هذه التداعيات برزت رسالة سياسية شديدة الوضوح: “إذا مُنعت طهران من تصدير نفطها، فلن يتدفق النفط إلى الغرب”. هذه ليست مجرد ورقة ضغط، بل معادلة وجودية تعيد تعريف العلاقة بين المنتجين والمستهلكين. إنها انتقال من سياسة الضغوط التدريجية إلى سياسة الحسم، حيث يصبح الاقتصاد العالمي جزءاً من ميدان الصراع، لا مجرد متفرج عليه.
سابعاً: المأزق الإماراتي… تصدّع تحت الضغط
وسط هذا المشهد، يواجه الكيان الإماراتي اختباراً صعباً. التباين بين أبوظبي من جهة، ودبي والشارقة من جهة أخرى، لم يعد خفياً. الأولى تميل إلى التصعيد والتموضع ضمن الاستراتيجية الأمريكية، بينما تخشى الثانية على نموذجها الاقتصادي القائم على الاستقرار والانفتاح. هذا التناقض يعكس صراعاً بين منطق القوة ومنطق السوق، بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي.
ثامناً: مسارات النجاة الفردية… بداية التشقق الداخلي
مع تصاعد الضغط، قد تتجه بعض المراكز داخل الاتحاد إلى البحث عن تفاهمات جانبية أو محاولات لتحييد نفسها عن الصراع. هذا السلوك، وإن بدا براغماتياً، يحمل في طياته خطراً استراتيجياً يتمثل في إضعاف وحدة القرار السياسي. عندما تبدأ كل إمارة بالتفكير بمنطق البقاء الذاتي، يصبح الاتحاد نفسه موضع اختبار.
تاسعاً: نحو توازن رعب مباشر… نهاية الأوهام
إن سقوط “خطة قشم” لا يعني نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها “توازن الرعب”. لم تعد أي قوة قادرة على فرض سيطرة كاملة، ولم يعد بالإمكان تجاهل قدرات الخصوم. القواعد الأمريكية لم تعد كافية، والرهان على الحماية الخارجية لم يعد ضمانة. ما نشهده هو نهاية وهم التفوق المطلق
الخاتمة: لحظة بين الوعي والانكشاف
إن ما جرى ليس حدثاً عابراً، بل إنذار تاريخي. المنطقة تدخل زمناً جديداً تُكتب فيه المعادلات بالقوة والوعي معاً. من يقرأ هذه التحولات بعمق، ويمتلك الجرأة على إعادة بناء خياراته بعيداً عن التبعية، يمكنه أن يكون فاعلاً في رسم المستقبل. أما من يستمر في الارتهان للأوهام القديمة، فسيجد نفسه خارج التاريخ، مجرد ساحة لصراعات الآخرين. إنها لحظة نهضوية حقيقية، لكنّها لا ترحم المترددين، ولا تمنح الفرص لمن يرفض أن يرى.
د.نبيلة عفيف غصن
