أحمد بهجة
يختلف اللبنانيون على كلّ شيء، هذا الأمر ليس جديداً، بل يمتدّ عمر الخلاف إلى الوراء لقرون من الزمن، منذ ما قبل إعلان ولادة لبنان الكبير على لسان المستعمر الفرنسي عام 1920.
أحياناً كان المختلفون يجدون طريقة لتنظيم الخلاف، بمساعدة خارجية طبعاً، لأنّ غالبية القوى السياسية لديها “سمع خلودي” يُمكّنها من الاستماع إلى وشوشات الخارج، فتقوم بتنفيذ موجبات “الوشوشة” على أرض الواقع المحلي.
وحين لا تكون الظروف الخارجية مؤاتية، ينعكس ذلك داخلياً عندنا، وتبرز الخلافات بين القوى السياسية بأشكال عديدة، في السياسة أو في الإعلام، والأخطر حين تنعكس في الأمن حيث يكون الشعب هو الخاسر الأكبر.
اليوم نمرّ في لبنان بفترة صعبة جداً، عسى أن نجتازها بسلام، حيث انّ الخارج الذي نتأثر به من هنا وهناك (وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية)، هذا الخارج يخوض اليوم صراعاً كبيراً جداً استمرّ عسكرياً حوالى أربعين يوماً ثم انتقل ليكون صراعاً سياسياً من خلال مفاوضات عُقدت في جولة أولى في إسلام آباد، ثم تعرقلَ مسارُها أكثر من مرة، وحتى الآن يواصل طرفا الصراع الأخذ والردّ في رسائل متبادلة عبر الوسيط الباكستاني، مع تلويح متبادل بالاستعداد للعودة إلى الحرب في أيّ وقت.
ونحن في لبنان لنا حصة كبيرة في الصراع الدائر إقليمياً، كون مقاومتنا الباسلة تخوض مواجهة مفتوحة وكبيرة جداً ضدّ العدو الإسرائيلي على امتداد حدودنا الجنوبية مع فلسطين المحتلة، ويطال العدوان أيضاً كلّ قرى ومدن الجنوب، مع تحييد بيروت والضاحية والبقاع في هذه الفترة بما يمثل التزاماً جزئياً من قبل كيان العدو بموجبات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي كان يجب أن يشمل جبهة لبنان أيضاً، لولا أنّ العدو الإسرائيلي، استغلّ بعض المواقف الداخلية في لبنان، وبغضّ نظر من الأميركيين.
وقد أخذ هذا الموضوع الكثير من الجدل الداخلي، وتسابق الأفرقاء لكي ينسبَ كلٌّ منهم الفضل لنفسه في الحصول على وقف إطلاق النار، علماً أنّ النار لم تتوقّف بل يستمرّ العدو بارتكاب جرائمه في قتل الحجر والبشر والضرع والزرع والعمران، ليطال الإجرام الإسرائيلي كلّ شيء بما في ذلك الطواقم الطبية والإسعافية والدفاع المدني وأهل الصحافة والإعلام، وأجهزة الأمن اللبنانية سواء على مستوى الأفراد في أكثر من مكان أو بشكل جماعي في مقرّهم الرسمي كما حصل مع جهاز أمن الدولة في سرايا النبطية!
طبعاً الخسائر كبيرة جداً نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي ووحشيته، سواء الخسائر البشرية المؤلمة أو ما يشهده العالم بأسره من همجية وبربرية تجاه كلّ شيء في جنوبنا الغالي، حيث لا تتوقف أعمال الهدم والتجريف والتدمير في معظم قرى وبلدات الحافة الأمامية ومحيطها، وحيث لا يخفي العدو نواياه المبيّتة منذ زمن بعيد، منذ مؤتمر باريس للسلام عام 1919 الذي قدّم خلاله الوفد الصهيوني، بدعم من الانتداب البريطاني في فلسطين، مذكرة طالب فيها بأن تمتدّ الحدود الشمالية لفلسطين نحو نهر الليطاني داخل الأراضي اللبنانية، وليس إلى رأس الناقورة كما حُدّدت لاحقاً.
وبشكل دائم تحرص المنظمات الصهيونية على تذكيرنا بأنّ مخططاتهم جاهزة للاستيطان في جنوب لبنان، ويكرّر المسؤولون الإسرائيليون المعزوفة الدائمة بشأن إقامة منطقة عازلة في الجنوب خالية من السكان لحماية المستوطنات المتاخمة للحدود الجنوبية.
هذه هي أهداف الصهاينة، وهم يحاولون تحقيقها منذ عقود طويلة، لكن المقاومة كانت لهم بالمرصاد دائماً، وقد أسقطت سابقاً أهداف اجتياح 1978 الذي حمل عنوان “عملية الليطاني”، ثم اجتياح 1982 بعنوان “سلامة الجليل”، وأجبرت العدو على الاندحار ذليلاً عام 2000، وأذلّته مجدداً عام 2006، وها هم عمالقة المقاومة اليوم يسطّرون أروع البطولات في الميدان، حيث يعلن العدو كلّ يوم أكثر من مرة أنه يواجه حدثاً أمنياً صعباً في جنوب لبنان، وسوف تستمرّ هذه الأحداث الصعبة إلى أن يندحر جيش العدو مهزوماً ويخرج من أرضنا التي سيعود أهلنا مرفوعي الرؤوس إلى آخر شبر منها، وسوف نبنيها مجدّداً ونُسيّجها بدماء الشهداء والجرحى وعرق المجاهدين وصبر الناس على كلّ عذابات وآلام النزوح…
المطلوب اليوم هو أن يستمرّ التسابق بشكل إيجابي لتحقيق وقف إطلاق النار بشكل نهائي، سواء نجح في ذلك المسار الرسمي اللبناني، من دون أن يدفع لبنان في المقابل أثماناً سياسية قد ترتدّ على الداخل بسلبيات كبيرة جداً يصعب احتواؤها في ما بعد.
المرجّح أن ينجح المفاوض الإيراني، في فرض مطالبه التي يأتي في مقدّمتها دائماً مطلب وقف الحرب على لبنان، وكما نجحت المرحلة الأولى من مفاوضات إسلام أباد في إلزام العدو الإسرائيلي بوقف العدوان على بيروت والضاحية والبقاع وجبل لبنان، سوف يأتي بلا شكّ من خلال مسار إسلام أباد الوقف الكامل للعدوان الإسرائيلي على لبنان، من دون أيّ تنازل في المقابل، بل بالعكس يمكننا عندها عدم سلوك طريق التفاوض المباشر، والعودة إلى التفاوض غير المباشر عبر آلية الميكانيزم، وتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وتحقيق مطالبنا الأساسية في سحب الجيش الإسرائيلي من أرضنا المحتلة وإطلاق الأسرى وعودة النازحين إلى كلّ الجنوب مقابل أن يحصل العدو الإسرائيلي على أمن المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، وهذا ما كان قائماً خلال الـ 15 شهراً حين التزم لبنان بالاتفاق ولم يلتزم به العدو الإسرائيلي.
ولعلّ الاجتماع الاستثنائي الذي عقده قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل مع رئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد في قاعدة بيروت الجوية، يكون فاتحة جديدة لتفعيل هذه اللجنة وتمكينها من تحقيق مهامها الأساسية…
