الجغرافيا مستبدة وهرمز يهزم ترامب

ناصر قنديل

– حين تُختصر معادلة مضيق هرمز بكلمتين – “فتح بالقوة” – تبدو المسألة تقنية: مدمرات، طائرات، كاسحات ألغام. لكن ما تكشفه الأيام الأخيرة أن الجغرافيا هي اللاعب الحاسم؛ لا تُقنعها التصريحات ولا تُختصر بإعلان “ساعة الصفر”. إنها تُعيد ترتيب الوقائع على صورتها: ممر ضيق، سواحل قريبة، تهديدات قصيرة المدى، وأسواق لا تثق إلا بما تراه. بعكس هذه المعادلة جاء إعلان دونالد ترامب عن بدء “عملية الحرية” مقروناً بأرقام قوة قدّمتها القيادة المركزية الأميركية: نحو 15 ألف جندي ومئة طائرة ومدمرات. كانت الخطة واضحة في بنيتها: صدمة ردعية مفاجئة تُترجم فوراً إلى عبور كثيف للسفن، فتُسحب ورقة هرمز من يد إيران دون حرب. عنصران يحكمانها: المفاجأة والسرعة. مفاجأة تُربك قرار المواجهة، وسرعة تفرض واقعاً قبل أن يتشكل ردّ مضاد.

– لكن الجغرافيا لها حساب آخر. في مضيق لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، حيث الساحل قريب والتهديد حاضر، لا يكفي إعلان الممر الآمن؛ فـ العبور الآمن ليس قراراً عسكرياً فقط، هو قرار سوق: تأمين، كلفة، مسؤولية، والأهم استجابة لعامل الرد بالتراجع من الجانب الإيراني بدلاً من قبول التحدي. ورسم معادلة معاكسة: فتح ممرّ بالقوة لا يعني فتح المضيق تجارياً؛ لأن شركات الشحن لا تتحرك على إيقاع البيانات، بل على إيقاع المخاطر المحسوبة. وإذا عُرّف المرور بأنه عمل في بيئة حرب، فإن السفن تتوقف حتى لو فُتح الطريق عسكرياً.

– التسلسل الزمني يضيف بُعداً آخر. تأجيل زيارة ترامب إلى الصين من نهاية مارس إلى 5 مايو ثم إلى 14–15 مايو لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً؛ كان رهانًا زمنياً على إنجاز سريع يسبق الذهاب إلى بكين، بحيث لا تكون الحاجة إلى دور صينيّ في إنهاء الأزمة قائمة، أو على الأقل في توازن أوراق القوة والضعف لا يكون الوضع في الخليج ورقة قوة إيرانية وبالتالي صينية، بل ورقة قوة أميركية. التأجيل الأول أعطى مساحة أسابيع، والثاني منح نافذة أخيرة لأيام. في مثل هذا الإطار الضيق، لا مكان لوجود مسار تدريجي؛ المطلوب نتيجة خلال 24–72 ساعة: قوافل تعبر بالعشرات، وإشارات سوقية تتبدل فوراً.

– غير أن المؤشر الحاسم وهو عدد السفن لم يتحرك كما تقتضي الخطة. فالحديث الأميركي نفسه يتم عن سفينتين، وهو ما لم تؤكده مصادر محايدة ولا تمكنت واشنطن من توثيقه كدليل، والحصيلة أنه دون قوافل كبيرة، لا تبدّل في سلوك التأمين، ولا اندفاعة من شركات الشحن. بعبارة دقيقة: لم يتحقق الأثر الفوري الذي تقوم عليه استراتيجية الصدمة. وهنا تتبدّى حدود المفاجأة: إذا كان الطرف المقابل مستعداً وقرار المواجهة حاضراً، فإن المفاجأة لا تردع؛ بل تدفع إلى الاحتكاك. وعند أول احتكاك، تنقلب الأداة على الهدف: الحرب تُغلق ما أرادت القوة فتحه.

– هذه هي مفارقة هرمز: الهدف “عبور آمن”، والوسيلة “قوة”. فإذا ارتفعت القوة إلى مستوى الحرب، سقط الهدف؛ لأن الحرب ترفع المخاطر إلى حدٍّ ينسحب معه التأمين، فتنسحب السفن، ويبقى المضيق مفتوحاً جغرافياً مغلقاً تجارياً. لذلك تبدو الجملة البسيطة – “الحرب عكس العبور الآمن” – حاكمة لكل الخيارات. وأمام هذا الواقع، تتقلص المسارات. الأول: التصعيد لفرض العبور، لكنه يهدد بتحويل المضيق إلى ساحة مواجهة تُعطّل الملاحة بالكامل. الثاني: التجميد غير المعلن، حيث تُخفَّف الوتيرة الميدانية مع الحفاظ على الخطاب، بانتظار مخرج سياسي. الثالث: تشغيل محدود بقوافل صغيرة، لا يغيّر المعادلة ولا يسحب الورقة من إيران، بل يدير الأزمة بكلفة أعلى.

– الدلالة السياسية أعمق من التفاصيل العملياتية. ورقة هرمز لم تُنتزع، وإيقاع التفاوض وفقاً لمسار إسلام آباد يتم تحت تأثير هذا الفشل الأميركي بنقطة تسجل لصالح إيران، ومع اقتراب موعد الصين، يصبح الذهاب دون إنجاز ميداني اعترافاً بأن ميزان التفاوض لم يتغير؛ أي أن الرهان على الاستغناء عن دور بكين عبر إنجاز سريع لم يتحقق، وأن الوقت الذي استُخدم كأداة ضغط عاد ليضغط في الاتجاه المعاكس.

– في المحصلة، خاطر ترامب بالتذاكي فقابلته إيران بالذكاء، وبالحصيلة يفرض هرمز قاعدته: الجغرافيا مستبدة. تُقيد القوة بحدود المكان، وتُخضع السياسة لاقتصاد المخاطر. لا تكفي المدمرات لفتح طريق إذا لم تُفتح شهية السوق، ولا تكفي المفاجأة إذا كان القرار بالمواجهة قد اتُّخذ. وبين قوة لا تريد حرباً وسوق لا يقبل المخاطرة، يسقط رهان الصدمة السريعة، ويعود الملف إلى طاولة السياسة حيث تُعاد كتابة الشروط تحت سقف الجغرافيا، لا فوقها.