في لبنان اليوم، لم يعد الحديث عن أزمة عابرة أو خلل إداري محدود. نحن أمام منظومة حكم أتقنت تحويل الدولة إلى أداة استنزاف، وأعادت تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن على قاعدة واحدة: ادفع… ثم ادفع… ثم ادفع، دون أن تسأل إلى أين تذهب الأموال. ما كشفه الأستاذ وديع عقل لا يمكن وضعه في خانة “الفضائح العابرة”، بل هو تفكيك لبنية متكاملة من الخنق الممنهج الذي يطال لقمة الناس وكرامتهم في آن واحد.
بنزينكم “نار”… والجباية سياسة رسمية
لقد تحولت الضرائب والرسوم، وفي مقدمتها زيادة 320 ألف ليرة على صفيحة البنزين بنسبة 25%، إلى سلاح يومي يُستخدم ضد المواطن. ليست المشكلة في الرقم فقط، بل في الفلسفة التي تقف خلفه: سلطة فشلت في إدارة المال العام، فقررت أن تعوّض فشلها من جيوب الناس. والأسوأ أن هذا “التمويل” لا يذهب لإصلاح أو إنقاذ، بل لإدامة منظومة العجز نفسها، وكأن المواطن يُجبر على تمويل أزمته بيده. هنا، لا يعود البنزين مجرد سلعة، بل يصبح رمزاً لـ اقتصاد النار: كلما أشعلت سيارتك، اشتعل معها جيبك.
في موازاة هذا النزيف اليومي، تتكشف ملفات أكثر خطورة، مثل فضيحة نقل المونديال عبر تلفزيون لبنان، التي تعكس نموذجاً صارخاً لـ “السرقة المنظمة”. أموال عامة تُصرف بلا ضوابط، صفقات تُبرم في الظل، وحقوق الدولة تُهدر لصالح شبكات المحسوبيات. ما يجري ليس إهمالاً، بل منهجية قائمة على تحويل المال العام إلى غنيمة، حيث تختفي الحدود بين القرار الإداري والمصلحة الخاصة.
الانقلاب على الدستور: من يحكم فعلياً؟
لكن الأخطر من الوقائع المالية هو الانقلاب الصامت على الدستور. يضع الأستاذ وديع عقل إصبعه على جوهر المشكلة: فرض أعباء مالية عبر مراسيم وقرارات، في تجاوز واضح للمادتين 81 و82 من الدستور اللتين تنصان على أنه “لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون”. ما يحدث اليوم هو التفاف فاضح على مجلس النواب، واغتصاب صريح لسلطة التشريع تحت عناوين تقنية مثل “جداول الأسعار” أو “الظروف الاستثنائية”. وهنا، لا تعود المسألة مالية فقط، بل تصبح مسألة سيادة قانون.
هذا المسار يفتح الباب على توصيفات جرمية واضحة: من هدر وتبديد المال العام إلى الاستيلاء على أموال دون وجه حق، وصولاً إلى مخالفة قانون المحاسبة العمومية عبر عقد نفقات بلا اعتماد أو تمرير صفقات بلا مناقصات. وفي ملف المونديال، تبرز مسألة عقد نفقات دون سند قانوني والتنازل عن حقوق الدولة، ما يجعل هذه الأفعال قابلة للملاحقة أمام الجهات القضائية المختصة.
سقوط حجة “الضرورة”
في مواجهة كل ذلك، تُرفع شماعة “الضرورة”، وكأن الدستور بند اختياري يمكن تعطيله عند أول أزمة. غير أن الحقيقة القانونية الصلبة، التي يؤكدها عقل، هي أن الضرورة لا تبرر خرق الدستور. إذا كانت الدولة بحاجة إلى تمويل، فالمسار الطبيعي هو إصلاح مكامن الهدر: من الأملاك البحرية إلى التهرب الضريبي الكبير، لا فرض رسوم غير قانونية على السلع الأساسية التي تمس حياة الناس.
الانبطاح السياسي: حين تُدار السيادة من الخارج
في قلب هذا المشهد المأزوم، تبرز إشكالية أخطر تتجاوز الداخل اللبناني إلى طبيعة القرار السيادي نفسه، حيث تبدو بعض المواقف الرسمية وكأنها تتحرك ضمن هوامش مرسومة من الخارج، تحت ضغط التوازنات الدولية ومراكز النفوذ الكبرى. وفي هذا السياق، تتصاعد الانتقادات حول مستوى الاستجابة غير المتكافئة مع الإملاءات والضغوط الخارجية، خصوصاً الأميركية، بما فيها السياسات المرتبطة بإدارة الملفات الاقتصادية والأمنية والحدودية.
هذا النمط من التعاطي يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى السيادة: هل ما زال القرار اللبناني يُصاغ داخل حدوده الطبيعية، أم أنه بات يُعاد تشكيله وفق أولويات قوى خارجية تفرض شروطها عبر أدوات التمويل والعقوبات والضغوط السياسية؟ إن الخطر هنا لا يكمن فقط في مضمون السياسات، بل في تحول الدولة إلى متلقٍ للقرار بدل أن تكون صانعه، ما يضعف موقعها التفاوضي ويُفقدها تدريجياً القدرة على حماية مصالحها الاستراتيجية.
بهذا المعنى، تصبح السيادة ليست مجرد شعار يُرفع، بل اختباراً يومياً في القدرة على رفض الإملاءات، أو على الأقل إعادة تكييفها بما يحفظ الحد الأدنى من القرار الوطني المستقل، بعيداً عن منطق الانصياع الذي يفاقم الانهيار الداخلي بدل معالجته.
نحو المواجهة: من الوعي إلى الفعل
إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط استنزافاً اقتصادياً وسياديا، بل تفكيكاً تدريجياً لفكرة الدولة نفسها. من هنا، لا يمكن أن تكون المواجهة شكلية أو موسمية. إنها معركة وعي وإرادة، تبدأ بـ المساءلة الشعبية والقانونية لكل من تورط في قرارات النهب وكذلك الانبطاح وبيع السيادة، وتمر عبر رفض سياسة الأمر الواقع، ولا تنتهي إلا بـ كشف الأقنعة عن كل من يغطي هذه المنظومة، أياً كان موقعه.
الخلاصة ليست شعاراً، بل حقيقة تتقدم كل يوم: لبنان لا يُنهك صدفة، بل يُستنزف قصداً. والنهضة لن تأتي من داخل منظومة تتغذى على الانهيار، بل من إرادة تفرض إعادة الاعتبار للقانون والحق. حينها فقط، يتحول البنزين من “نار” تحرق الناس إلى وقود يدفع عجلة الخلاص.
إنها معركة كرامة قبل أن تكون معركة أرقام. والحقوق لا تُمنح… بل تُنتزع بالوعي، وبالوثيقة، وبكلمة لا تخاف.
