لبنان: عيْنٌ على “هدنة الورق”.. وعيْنٌ على “طيور الجنوب”!
بيروت- وفاء عواد
غداة مرور شهرين على العدوان الإسرائيلي على لبنان، وما بينهما من “هدنتيْن هشّتيْن” متتاليتين، الأولى انتهت في 23 أبريل الفائت والثانية بدأت في 23 منه، لا يزال لبنان عموماً، وجنوبه خصوصاً، في مرمى هذا العدوان الذي لا يلجمه وقف إطلاق نار ولا هدنة، ولا حتى أيّة أعراف ومواثيق قانونية ودولية.. أما الحصيلة الإجماليّة منذ 2 مارس الفائت وحتى اليوم، فاستقرّت في آخر تحديثاتها على 2659 شهيداً و8183 جريحاً، فيما مخطّط التهجير المستمرّ قد شمل 104 قرى جنوبيّة، على الأقلّ حتى اليوم، وموزّعة شمال وجنوب الليطاني، ومن ضمنها 55 مدينة وبلدة وقرية باتت تحت الاحتلال الإسرائيلي، سواء من خلال الوجود العسكري المباشر، أو من خلال السيطرة بالنيران.
وفي بلد تتقاذفه أمواج الداخل والخارج، ويسير في حقل ألغام مرصود على تصريح من هنا وإنذار من هناك، تجدر الإشارة إلى أن ما بين مضامين بعض الأرقام والوقائع قرابة المليون نازح، بعضٌ منهم أصبحت منازله أثراً بعد عين. منهم من يعيش في مراكز إيواء، ومنهم في سياراتهم، ومنهم في العراء. مؤسّسات أقفلت، مصانع دمّرت، طلاب غادروا مقاعد الدراسة ولا يعرفون متى يعودون إليها، إذْ أن معظم المدارس أصبح مراكز إيواء. وما بين مضامين هذا المشهد، وضعٌ اقتصادي مترهّل، والإيرادات تراجعت نحو 40% في الشهر الأول على الحرب، ولم تُعرف النسبة في الشهر الثاني. وفوق كلّ ذلك، لم تنته الحرب بعد.
واقع الميدان
وفيما إسرائيل تحصر حالياً عدوانها التدميري بالجنوب، في شقّيه المحتلّ والواقع خارج نطاق الإحتلال البرّي، حيث تعيث في بلداته ومدنه، قتلاً وتفجيراً وتدميراً عشوائياً وقصفاً وتهجيراً، وتركيزاً متعمداً على تدمير المقامات الدينية، من مساجد وكنائس وحسينيّات وأديرة، مرفقةً انتهاكاتها اليومية بـ”إنذارات عاجلة” متنقلة، وفيما الهدوء لا يزال مخيّماً على البقاع وبيروت وضاحيتها الجنوبية، في ما يشبه “الهدنة غير المعلنة”، إلا أنها هدّدت خلال الساعات الماضية بتوسيع رقعة الاعتداءات تحت عنوان مواجهة خطر سلاح الطيران المسيّر الذي فاجأها به “حزب الله”.
وهذا التهديد نطق به على وجه الخصوص رئيس أركان العدو إيال زامير، الذي أوعز إلى قيادة المنطقة الشمالية في جيشه وسلاح الجو بالإستعداد لاستهداف مواقع في عمق لبنان، لضرب ما وصفها بـ”سلسلة إنتاج وتوريد المسيّرات المفخّخة” التابعة لـ”حزب الله”، والتي باتت في الأيام الأخيرة “الخطر المركزي”، على حدّ تعبيره. وذلك، وسط “غضب وزاري من القيود المفروضة على تحرّكات الجيش الإسرائيلي”، وفق ما أوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في حين تؤكد التقارير العبرية والدولية أن وضع الشمال بات “أسوأ ممّا كان”، وأن التكتيكات العسكرية الإسرائيلية تصطدم بجدار من ألابتكار الميداني الذي يعمد إليه “حزب الله”، والذي يزداد تطوّراً.
ومع “هدنة” مخروقة باستمرار العدوان، لا يزال الميدان جنوباً تحت المجهر، حيث التصعيد متواصل ضمن ما تطلق عليه إسرائيل تسمية “الخطّ الأصفر”، والممتدّ وفق رؤيتها من منطقة الخيام شرقاً (شمال شرق مستوطنة المطلّة)، ثم يمرّ عبر منطقة الطيبة القريبة من مجرى الليطاني، وصولاً إلى مدينة بنت جبيل، وينتهي في منطقة رأس البيّاضة. وهذا الخطّ يلامس، في جزئه الشرقي، نهر الليطاني، ويمتدّ في بعض المناطق إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وداخل نطاقه، توجد 55 قرية لبنانية لا يسمح الجيش الإسرائيلي لسكّانها بالعودة إليها.
أما على المقلب الآخر من الصورة، فإن ثمّة معطيات تشير إلى أن العدوان الإسرائيلي المستمرّ، ورغم عظيم التدمير والتهجير وارتكاب المجازر بحقّ اللبنانيين، لا سيّما الجنوبيّين منهم، لم يستطع تغيير واقع الميدان الذي تُطبق عليه ما اصطلح على تسميتها “طيور الجنوب”، من مسيّرات ومحلّقات مسلّحة، بدءاً من “بنت جبيل” و”الطيبة”، وصولاً إلى “القنطرة” و”البيّاضة”.
وبمعنى أدقّ، فإن “مسيّرات الألياف الضوئية” وتصاعد ضربات “حزب الله”، وفق مصادره، تعيد صياغة موازين ردع معيّنة في الجنوب وشمال إسرائيل. أمّا التقييمات العسكرية، فتشير إلى أن “حزب الله” يطوّر أنماط قتال قائمة على “حرب العصابات”، مستفيداً من تجارب أوكرانيا وغزّة، عبر تكثيف استخدام المسيّرات والقنص والصواريخ المضادّة للدروع، في حين تردّدت معلومات مفادها عودة الحزب إلى استخدام تكتيكات الثمانينيّات ضدّ الجيش الإسرائيلي، وتفعيل “مجموعات الإستشهاديّين” لمنع استقرار الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وما بين المشهدين، لا يزال وقف إطلاق النار المعلن، سارياً بشكل تامّ في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبشكل نسبي في البقاع، وغير سارٍ حتماً في الجنوب، ولا سيّما في جنوب الليطاني، حيث سجّلت الساعات الأخيرة حركة نزوح كثيفة، بعد إنذارات إسرائيليّة عدّة، وبعد غارات موجّهة شملت عدداً من القرى والبلدات.
وفي السياق، أجمعت مصادر سياسية متابعة عبر “عُمان” على أن لبنان يقف اليوم على مفترق أكثر من طريق، وذلك بدءاً من كونه يقف بين حرب مفروضة وتفاوض مباشر مرفوض من أكثر من جهة سياسية، وخصوصاً من “حزب الله”، الذي يضعه في مصاف “الخيانة”، على قاعدة أن أيّ لقاء محتمل، تضغط واشنطن باتجاهه، بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هو نوع من “التطبيع على حساب الحقوق”، مروراً بكونه يقف على مفترق أخطر، بين “اتفاق ما” مع إسرائيل، بمعزل عن الدول العربية، وخارج مفهوم “السلام العادل”، كما نصّت عليه مبادرة بيروت العربية عام 2002، وبين خطر فتنة تسوّق لها إسرائيل علناً، ووصولاً إلى كونه يقف أيضاً على مفترق طرق إقليمي- دولي، بين اتفاق إيراني- أميركي، يكمن مشروع إسرائيل في تفاصيله، وبين “لا اتفاق” تحت عنوان “نزاع مجمّد” قد ينجح في إيران، لكنه يفجّر لبنان. أمّا على المشهد الإسرائيلي، فنقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مسؤول أمني وضبّاط كبار قولهم إنهم يواجهون “فخّاً إستراتيجياً” نُصب لهم في جنوب لبنان، فيما “الانسحاب يُعدّ هزيمة، و(الرئيس الأميركي دونالد) ترامب يمنع تقدّمنا”.
وما بين المشهدين أيضاً، حيث العدوان الإسرائيلي يطوّق لبنان، ولا مؤشرات أو أفق للمطروح على الطاولة الديبلوماسيّة، فإن ثمّة من يشدّد على ضرورة “إبقاء العين على إسلام آباد”، لقراءة “الكفّ اللبناني”، خصوصاً أن قطع “البازل” لم تكتملْ بعد على الساحة الداخلية، وأن التقدّم نحو المفاوضات يبدأ من أسفل السلّم وليس من أعلى الهرم، في حين يشير البعض الآخر إلى أهمية ترقّب نتائج الاتصالات التي تجريها السلطة السياسية مع واشنطن والدول المؤثرة، لوقف التصعيد المتدحرج في الجنوب. وفي هذا السياق، تردّدت معلومات مفادها أن الشروط الإسرائيلية لا تزال قاسية وذات سقف مرتفع إلى حدود بعيدة، خصوصاً أن إسرائيل تصرّ على الاحتفاظ بمنطقة “الخطّ الأصفر” واحتلالها، إضافة إلى مواصلة عملياتها العسكرية ضد “حزب الله”، وعدم الانسحاب من دون ضمان تفكيك “الحزب” وسحب سلاحه بالكامل، ولو كان ذلك يحتاج لأشهر.
وفي محصلة المشهد، أجمعت مصادر مراقبة على أن التطورات الميدانيّة وضعت “الهدنة”، التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام اختبار حقيقي، بل إنّ هذه الهدنة صارت واقعياً “حبراً على ورق”، ويمكن القول إنها “هدنة نسبية”، لأنّ الحرب مستمرة فعلاً، ولو بوتيرة ومساحة جغرافية أضيق. وفي ظلالها، يقف لبنان عند مفترق حرج، حيث يتقدّم هاجس الأمن على ما عداه، وتتداخل المسارات السياسية بالعسكرية، في مشهد سريع التحوّل، مفتوح على كلّ السيناريوهات، فيما تبقى الكلمة للميدان حتى إشعار آخر. وعليه، فإن ثمّة كلاماً عن أن المشهد من بيروت إلى تلّ أبيب يثبت أن الحرب في لبنان مستمرّة، وإنْ بإيقاع مختلف، وذلك في انتظار توضّح الصورة سياسياً وديبلوماسياً، وهو ما يمرّ حكماً برصد النتائج المترتبة عن زيارة نتانياهو إلى واشنطن خلال الشهر الجاري