كتبت الإعلامية أ.ميسم رزق:
لم تكن الزميلة، مراسلة «الأخبار» في الجنوب، آمال خليل مجرد صحافية في تغطية حرب، بل كانت شاهدة في وجه دولة اختارت أن تتراجع خطوة بعد أخرى عن واجبها الأساسي: حماية من ينقلون الحقيقة من أرض مكشوفة. ومع استشهادها، لا يعود السؤال عن تفاصيل الحادثة فقط، بل عن منظومة سياسية كاملة تركت الصحافيين والمدنيين في مواجهة مصيرهم بلا أي غطاء فعلي.
في لحظة يفترض أن تكون فيها الدولة في أعلى درجات الجاهزية، تظهر على العكس تماماً: غائبة ميدانياً، ضعيفة في الحماية، وحاضرة فقط في خطاب الإدانة بعد وقوع الكارثة. هذا ليس خللاً عابراً، بل نمط حكم ثابت، يقوم على إدارة الانفجار بعد حصوله، لا على منعه قبل وقوعه.
دم آمال خليل ليس خارج هذا السياق، بل في قلبه. فقد عملت في بيئة يعرف الجميع أنها خطرة، لكن الدولة لم تفعل ما يكفي لتحويل هذا الخطر إلى حال محصورة أو مضبوطة أو محمية. تركت الميدان مفتوحاً، ثم وقفت لتتأسف على نتائجه.
ما يجعل الحادثة أكثر قسوة هو هذا الإحساس المزدوج: صحافية شجاعة، مقدامة، كانت تقترب من الحقيقة في أقصى تجلياتها، وسلطة كانت تبتعد عن مسؤولياتها في أقصى لحظات الحاجة إليها. وبين الاقتراب والانسحاب، سقطت آمال، ضحية إذعان السلطة وخوفها من الدخول إلى أرض كانت آمال أشجع من السلطة في الدخول إليها.
لا يمكن فصل ما حدث عن أداء سياسي سمح بتحوّل مناطق بكاملها إلى ساحات بلا حماية فعلية، وبلا منظومة واضحة لتأمين الصحافيين أو المدنيين. الدولة هنا لا تبدو فقط عاجزة، بل متخلّية عن موقعها الطبيعي كجهة مسؤولة عن الحد الأدنى من الأمان.
وفي كل مرة تتكرر فيها المأساة، يُعاد إنتاج المشهد نفسه: دم يسيل، بيان يُكتب، ثم صمت ثقيل. حلقة مغلقة لا تُنتج مساءلة ولا تغيّر مساراً. وهذا ما يجعل السؤال عن المسؤولية سؤالًا سياسياً بامتياز، لا يمكن اختزاله في الإدانة اللفظية.
آمال خليل كانت جزءاً من ذاكرة الحقيقة في هذا البلد. وغيابها ليس فقداناً فردياً فقط، بل إشارة إضافية إلى خلل أعمق في طريقة إدارة الدولة لأخطر ما تواجهه: حياة من يقفون في الخط الأول لنقل السردية والصورة كما هي. وعليه، لا يمكن قراءة ما حدث إلا كاتّهام سياسي مفتوح لأداء سلطة لم تحمِ، ولم تردع، ولم تبادر، واكتفت بأن تكون شاهدة متأخرة على ما كان يجب أن تمنعه منذ البداية. سلطة على كفّيها دماء آمال ودماء آلاف اللبنانيين.
