الحرب التي لم تكن ثورة بل غزواً كونيّاً

بقلم:نبيلة عفيف غصن

منذ الأيام الأولى لأحداث 2011، كان واضحًا لمن يريد أن يرى أنّ سوريا لا تُستهدف كدولة فقط، بل كـ محورٍ تاريخي لميزان القوى في المشرق. لم تكن حربًا محليّة، ولا انتفاضة شعبية كما روّج الإعلام الغربي والخليجي. كانت أكبر حرب كونية تُشنّ على دولة في القرن الحادي والعشرين: حربٌ استخدمت فيها واشنطن وأنقرة والرياض والدوحة وأجهزة مخابرات أوروبا كلّ أدواتها — من الفصائل الدينية، إلى الجيوش الظلّية، إلى ممرات التجنيد العابرة للقارات.

ومع مرور السنوات، اتّضح أن الهدف لم يكن إسقاط النظام فحسب، بل إسقاط سوريا نفسها. وهذا ما اكتمل tragically في نوفمبر 2024 حين انهارت الدولة السورية رسميًا، وسقطت العاصمة والمناطق المركزية بيد هيئة تحرير الشام — النسخة “المعاد تدويرها” من جبهة النصرة — أي العصابات التكفيرية بقيادة أبو محمد الجولاني، صنيعة الاستخبارات التركية والغربية.

بعد أربعة عشر عامًا من الحرب، صار السؤال الأخلاقي والسياسي الملحّ اليوم هو:
من الذي كان يقاتل السوريين فعليًا؟ وهل كانت الحرب فعلًا ثورة شعبية؟

الإجابة الصادمة تأتي من وثائق أممية نقلها رفعت السيد أحمد في كتابه «سورية في مواجهة الحرب الكونية – حقائق ووثائق»، والتي تُظهر أنّ “الثوّار” الذين جرى الاحتفاء بهم في الإعلام لم يكونوا سوريين في معظمهم، بل 171 ألف مقاتل أجنبي تمّ ضخّهم إلى الداخل السوري ضمن مشروع غزو أممي واسع.

الأرقام الأممية التي نسفت السردية الإعلامية

تقدّم الوثيقة الرسمية الأممية — كما وردت في الصفحتين 520–521 من الكتاب المذكور — إحصاءً لعدد المقاتلين الأجانب الذين دخلوا سوريا منذ 2011، وهم:

– 24500 من السعودية، قُتل منهم 5990 بينهم 19 إمرأة و فُقد منهم 2700 .
– 25800 من تركيا، قُتل منهم 5760  و فُقد منهم 380 .
– 21000 من الشيشان، قتل منهم 5230، وفقد منهم 1950 ، وبين القتلى 16 إمرأة.
– 14000 من فلسطين المحتلة، أغلبهم من الإخوان ، قتل منهم 4920، وفقد منهم 670 .
– 10500 من تونس قتل منهم 4200، بينهم 45 إمرأة، وفقد منهم 1260.
– 9500 من ليبيا، قتل منهم 3940 ، وفقد منهم 1650.
– 13000 من العراق قتل، منهم 3780، وفقد منهم 1200.
– 11000 من لبنان، قتل منهم 3110، وفقد منهم 1080، بين القتلى 7 نساء.
– 8600 من تركمانستان، قتل منهم 3050 بينهم 11 إمرأة، و فقد منهم 900.
– 7500 من مصر، قتل منهم 2100، وفقد منهم 870 .
– 3800 من الأردن، قتل منهم 1990، وفقد منهم 265.
– 4600 من باكستان، قتل منهم 1380، وفقد منهم 590.
– 3600 من أفغانستان، قتل منهم 1380، و فقد منهم 630 .
– 2800 من اليمن، قتل منهم 1440، وفقد منهم 700.
– 2550 من كازخستان، قتل منهم 1130.
– 2700 من أوزباكستان، قتل منهم 780، وفقد منهم 390، بين القتلى 4 نساء.
– 1900 من الكويت، قتل منهم 640، وفقد منهم 8.
– 1950 من الجزائر، قتل منهم 620، وفقد منهم 44.
– 2100 من المغرب، قتل منهم 610، بينهم 7 نساء وفقد منهم 630 .
– 30000 من أوروبا ومن جنسيات مختلفة ( أمريكا وفرنسا وروسيا وبريطانيا وبلجيكا ونيوزيلندا والسويد وفنلندا والدنمارك والنرويج…).

المجموع العام: 171,400 مقاتل أجنبي
عدد القتلى منهم: 51,910
عدد المفقودين (فرار/اعتقال): 33,847

الدلالة الأكاديمية لهذه الأرقام:

  1. إنّ عدد المقاتلين الأجانب يفوق بأضعاف عدد أيّ تشكيل مسلّح سوري محلي.
  2. إنّ ما سُمّي بـ”الثورة السورية” استحوذ عليها الأجانب بالكامل.
  3. إنّ مناطق القتال كانت أشبه بـ”سوريا المفتوحة” أمام جيوش من 30 دولة.
  4. إنّ مستوى التنظيم والتدفّق والتمويل يكشف عن دور أجهزة مخابرات متعددة الجنسيات في هندسة الحرب.
  5. إنّ ما حدث لم يكن حراكًا شعبياً، ولا حربًا أهلية، بل عملية غزو بالوكالة.

سقوط سوريا عام 2024 — النتيجة الطبيعية لحرب كونية

عندما سقطت دمشق وما تبقّى من بنية الدولة السورية في نوفمبر 2024 أمام هيئة تحرير الشام، لم يكن ذلك حدثًا مفاجئًا، بل تتويجًا لمسار طويل:

جيش مرهق قاتل 171 ألف مقاتل أجنبي لأكثر من 13 عامًا.

بنية اقتصادية منهارة تحت حصار غربي خانق.

تفكّك اجتماعي نتيجة تهجير نصف السكان.

ضغط جغرافي–عسكري بسبب السيطرة التركية على الشمال والشرقية الأميركية في الشرق.

تحوّل الجولاني إلى “رجل تركيا” بإعادة تصنيعه كقوة أمر واقع من قبل أجهزة الاستخبارات.

إنّ الدرس الاستراتيجي الأعمق هو أنّ الحرب الكونية — مهما صمدت أمامها الدول — لا تنتهي بانتصار الداخل إن بقيت الحدود مفتوحة أمام تدفّق الجيوش غير النظامية.
السؤال الذي استخدمته وسائل الإعلام العالمية طوال الحرب كان:
لماذا يقتل النظام السوري شعبه؟

لكن وفق الأرقام:

من كان يقاتل الجيش السوري؟

من كان يفجّر، ويقصف، ويحتلّ، ويذبح؟

السوري أم التركي؟

الشيشاني أم الليبي؟

الأوروبي أم الباكستاني؟

الأرقام تكشف أنّ:

السوريين كانوا ضحايا، لا طرفًا رئيسيًا في القتال.
كانوا يقتلون على يد جيوش من المرتزقة والمجاهدين العابرين للحدود الذين حملوا رايات دينية أو ثورية، لكنهم كانوا في الجوهر أدوات لمشاريع دولية.

هذا يفسّر لماذا انهار المجتمع السوري، ولماذا انهارت الدولة في 2024:
لأن الحرب لم تكن “حرب نظام ضد شعب”، بل حرب العالم على سوريا.

البعد الجيوسياسي – لماذا سوريا؟

الحرب لم تكن تُخاض لأجل الديمقراطية، ولا لأجل حقوق الإنسان، بل لأسباب أعمق:

  1. كسر محور المقاومة وإخراج سوريا من معادلة الصراع مع إسرائيل.
  2. إعادة رسم حدود المشرق بما يتناسب مع مشروع الشرق الأوسط الجديد.
  3. ربط تركيا بمشروع العثمانية الجديدة عبر ممر جهادي يمتد من إدلب إلى الموصل.
  4. تفكيك الدولة السورية تمهيدًا لإعادة إنتاجها ككيان تابع.

كلّ ذلك جرى تحت شعارات مضلّلة مثل “ثوّار الحرية” و”الربيع العربي”.

– حين يسقط البلد، تبقى الحقيقة

سوريا — بما تمثّله — لم تعد موجودة كدولة منذ نوفمبر 2024، لكن الحقيقة التاريخية تبقى:
الشعوب لا تُهزم بالاحتلال، بل تُهزم حين تصدّق رواية المحتل.

إنّ الحرب الكونية على سوريا كانت جزءًا من معركة أكبر على وعي المنطقة.
واليوم، بعد انكشاف الأرقام، يتبيّن أنّ ما جرى لم يكن ثورة، ولا تمردًا شعبياً، بل غزوًا عسكريًا دوليًا بتنسيق استخباراتي كامل.

وإذا كان سقوط الدولة قد حدث، فإن سقوط الحقيقة لم يحدث:
الذي قاتل السوريين لم يكن السوريين…
بل 171 ألف مقاتل من أربع قارات.

الأرقام تُسقط الأكاذيب… ولو بعد الانهيار

بعد عامٍ على سقوط سوريا (2024–2025)، تحتاج المنطقة إلى قراءة جديدة تمامًا للحرب، قائمة على الوثائق لا العواطف:

إنّ الحرب لم تكن سورية–سورية.

لم تكن “ثورة حرية”.

لم يكن “النظام يقتل شعبه”.

بل كان العالم يجمع مقاتليه ويرسلهم لقتل السوريين.

ومهما تعدّدت الأصوات، يبقى الرقم — في النهاية — أقوى من الخطاب.

الهوامش

  1. وثيقة الأمم المتحدة حول المقاتلين الأجانب في سوريا، كما وردت في:
    رفعت السيد أحمد، سورية في مواجهة الحرب الكونية – حقائق ووثائق، ص 520–521.
  2. حول دور الحدود التركية في تسهيل دخول المقاتلين الجهاديين:
    انظر تقارير الأمم المتحدة – لجنة مكافحة الإرهاب CTED (2016–2020).
  3. حول دور الاستخبارات الخليجية في تمويل الفصائل المسلحة:
    تقرير New York Times، 2016، “C.I.A Arms Pipeline to Syrian Rebels Expands”.
  4. حول إعادة تدوير الجولاني كقوة أمر واقع:
    تقرير Frontline – PBS، 2021: The Rise of Al-Julani.
  5. حول انهيار الشرق السوري في 2023–2024:
    تقارير International Crisis Group، ملف سوريا 2022–2024.
  6. بيانات الأمم المتحدة حول النزوح السوري:
    UNHCR, Syrian Regional Refugee Response Dashboard, 2013–2025.

المراجع

أحمد، رفعت السيد. سورية في مواجهة الحرب الكونية – حقائق ووثائق. القاهرة، 2017.

United Nations, Counter-Terrorism Committee Executive Directorate (CTED) Reports, 2015–2021.

International Crisis Group, Syria Reports 2020–2024.

New York Times, “C.I.A Arms to Syrian Rebels”, 2016.

PBS Frontline, The Rise of Al-Julani, 2021.

UNHCR Official Statistics, 2013–2025.