ليس أخطر ما يُطرح اليوم هو الخلاف داخل الناتو، بل دلالته: انتقال الغرب من حالة “القيادة الموحّدة” إلى حالة “التشكيك المتبادل”. فالتصريحات المنسوبة إلى ماركو روبيو، ومواقف إسبانيا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا، سواء كانت دقيقة بالكامل أو مُضخَّمة سياسياً، تعكس حقيقة أعمق: لم يعد الحلف يتصرّف ككتلة صلبة، بل كائتلاف مصالح متباينة.
لكن قبل القفز إلى استنتاج “انهيار الناتو”، يجب ضبط المصطلح. الناتو لم ينهَر بعد، وما زال يمتلك أكبر بنية عسكرية-تنسيقية في العالم. إلا أن ما نشهده هو تآكل في الإرادة السياسية المشتركة، وهذا أخطر من الانهيار المفاجئ، لأنه يضرب الثقة—والثقة هي العمود الفقري لأي تحالف.

أوكرانيا: من “قضية الغرب” إلى “عبء الغرب”؟
منذ 2022، لم تكن أوكرانيا مجرد ساحة حرب، بل كانت مشروع إثبات: إثبات أن الناتو قادر على ردع روسيا دون الدخول في حرب مباشرة. الدعم العسكري والمالي الهائل لم يكن حباً بأوكرانيا بقدر ما كان دفاعاً عن “هيبة المنظومة”.
لكن إذا بدأ الحلف يتفكك سياسياً، فإن أوكرانيا تتحول فوراً من أولوية استراتيجية إلى ملف خلافي داخلي.
وهنا تكمن الخطورة:
الدول التي تشعر بأن الحرب تستنزف اقتصادها ستطالب بالانسحاب التدريجي.
الحكومات التي تواجه ضغطاً شعبياً ستعيد حساباتها.
النخب السياسية ستبدأ بتغليب المصالح الوطنية الضيقة على الالتزامات الجماعية.
بمعنى آخر: قيمة أوكرانيا ليست ذاتية، بل مستمدة من تماسك الناتو نفسه.

إذا ضعف الناتو… ماذا يتبقى لأوكرانيا؟
إذا دخل الحلف في مرحلة تفكك فعلي (أو حتى شلل سياسي طويل)، فإن أوكرانيا ستواجه ثلاثة سيناريوهات قاسية:

  1. التحول إلى “حرب يتيمة”
    أي استمرار القتال لكن بدعم متقطع وغير كافٍ. هذا هو أخطر السيناريوهات، لأنه يطيل النزاع دون حسم، ويستنزف الدولة والمجتمع.
  2. فرض تسوية قسرية
    عندها ستُدفع كييف نحو قبول حلول لم تكن لتقبلها سابقاً، لأن الداعم الأساسي لم يعد موحّداً خلفها.
  3. إعادة تعريف موقعها الجيوسياسي
    قد تُجبر على التحول من “رأس حربة للغرب” إلى “دولة عازلة” بين روسيا وأوروبا.

أوروبا: لماذا تتردد؟
المواقف الأوروبية التي ذُكرت—سواء في إسبانيا أو إيطاليا أو غيرها—لا يمكن قراءتها فقط كـ“تمرد على ترامب”، بل هي انعكاس لثلاثة عوامل أعمق:
الإرهاق الاقتصادي: التضخم، الطاقة، كلفة التسليح.
الخوف من التصعيد: أي انزلاق إلى مواجهة مباشرة مع قوى كبرى.
الاستقلالية السياسية المتنامية: أوروبا لم تعد تريد أن تُدار بالكامل من واشنطن.
وهذا يعني أن الخلاف ليس ظرفياً، بل بنيوي.

هل نحن أمام انهيار فعلاً؟
الحديث عن “انهيار وشيك” فيه مبالغة، لكنه ليس بلا أساس. الأدق أننا أمام:
ناتو قوي عسكرياً، ضعيف سياسياً، ومهتز استراتيجياً.
وهذه الحالة قد تستمر لسنوات، لكنها كافية لتقليص فعاليته، خصوصاً في الحروب الطويلة مثل أوكرانيا.

الخلاصة: أوكرانيا مرآة الحلف
إذا كان الناتو هو الإطار الذي أعطى أوكرانيا وزنها الدولي، فإن تراجع هذا الإطار يعني تلقائياً تراجع هذا الوزن.
أوكرانيا ليست مركز اللعبة، بل إحدى أدواتها.
فإذا تكسّر الإطار، تسقط الأدوات تباعاً.
وفي هذا المشهد، لا يعود السؤال:
هل سينهار الناتو؟
بل يصبح:
كم من الوقت تستطيع أوكرانيا الصمود إذا بدأ الحلف نفسه يفقد إيمانه بذاته؟

د.نبيلة عفيف غصن