شرعنة القتل… قانون إعدام الأسرى في قلب الذكرى الخمسين ليوم الأرض الخالد!
بقلم: لؤي صوالحة
في لحظةٍ يختلط فيها الدم بالتاريخ، ويعلو فيها صوت الأرض فوق كل محاولات الطمس، يخرج الاحتلال من خلف أقنعته القانونية ليعلنها صريحة: القتل حق، والإعدام سياسة، والفلسطيني هدفٌ مشروع. في الذكرى الخمسين ليوم الأرض الخالد، لا يكتفي الكيان الغاصب بسرقة الأرض، بل يسعى لانتزاع الحياة ذاتها من أصحابها عبر إقرار “قانون إعدام الأسرى”. ليس قانونًا عابرًا، بل بيان حربٍ مكتوب بلغة التشريع، يختصر عقيدة استعمارية كاملة ترى في وجود الفلسطيني جريمة تستوجب الموت. إنها لحظة انكشاف كبرى، يتحول فيها القضاء إلى منصة إعدام، والقانون إلى رصاصة، والسجن إلى مقصلة مفتوحة.
يمثل “قانون إعدام الأسرى” تحوّلًا استراتيجيًا خطيرًا في طبيعة الصراع، حيث ينتقل الاحتلال من إدارة القمع إلى هندسة الموت كسياسة رسمية. لم يعد الأمر مجرد انتهاكات تُرتكب في الظل أو ممارسات تُنكرها الرواية الرسمية، بل بات القتل يُصاغ كنص قانوني، يُناقش في قاعات التشريع، ويُمنح غطاءً مؤسساتيًا كاملاً. هذه النقلة تعني أن الاحتلال لم يعد يرى حاجة لإخفاء جرائمه، بل يسعى لتطبيعها وإعادة تعريفها كأدوات “سيادية” ضمن منظومته الحاكمة.
سياسيًا، يعكس هذا القانون حالة تطرف غير مسبوقة داخل بنية الحكم الإسرائيلي، حيث تتقاطع مصالح اليمين المتشدد مع أزمات البقاء السياسي للحكومات المتعاقبة، فيتم توظيف دم الأسرى كوقود لتعزيز الهيمنة الداخلية وتصدير مشهد القوة إلى جمهورٍ يعيش على خطاب الخوف والكراهية. إن تحويل الإعدام إلى ورقة سياسية يفضح طبيعة هذا الكيان، الذي يستخدم القتل كوسيلة لإعادة إنتاج شرعيته المهزوزة، ويُحوّل أجساد الأسرى إلى أدوات في معادلة الحكم.
أما على الصعيد القانوني، فإن هذا التشريع يشكل انتهاكًا صارخًا لمجمل قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف، التي تضمن حماية الأسرى والمعتقلين وتمنع تعريضهم لعقوبات قاسية أو غير إنسانية. كما يتناقض بشكل مباشر مع المبادئ الأساسية للعدالة، التي تشترط محاكمات عادلة ومستقلة، في حين أن المحاكم العسكرية التي يُحاكم أمامها الأسرى هي جزء لا يتجزأ من منظومة الاحتلال نفسها، ما يجعل أي حكم يصدر عنها فاقدًا للشرعية من أساسه. إننا أمام محاولة لشرعنة جريمة موصوفة، وتحويل القضاء إلى أداة تنفيذ ضمن ماكينة القمع.
إنسانيًا، يفتح هذا القانون بابًا واسعًا أمام مأساة مركبة، لا تقتصر على الأسير وحده، بل تمتد إلى عائلته ومجتمعه بأكمله. فكل أسير فلسطيني يصبح مهددًا بحكم الموت، وكل أمٍ تعيش على وقع انتظار مكالمة قد تحمل خبر الإعدام، وكل طفل يُربّى على فكرة أن والده قد يُنتزع منه بقرارٍ سياسي. إنها عملية قتل جماعي مؤجلة، تستهدف الروح الفلسطينية وتعمل على بث الرعب كوسيلة لإخضاع المجتمع بأكمله.
دوليًا، يكشف هذا التطور حجم الانهيار في منظومة العدالة العالمية. فالعالم الذي صاغ قوانين حقوق الإنسان بعد حروب دامية، يقف اليوم عاجزًا أمام تشريع يُعيد إنتاج أبشع صور العقاب الجماعي. إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لا يمكن قراءته إلا كضوء أخضر لاستمرار الجريمة. بل إن غياب المحاسبة الفعلية شجّع الاحتلال على المضي قدمًا في تقنين القتل، مستفيدًا من شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية التي تحميه من أي مساءلة حقيقية.
محليًا فلسطينيًا، يشكل هذا القانون تحديًا وجوديًا يعيد ترتيب أولويات المواجهة. فهو لا يستهدف فصيلًا بعينه أو شريحة محددة، بل يطال مجمل الحركة الأسيرة، التي تُعد أحد أعمدة النضال الوطني. ومن هنا، فإن الرد لا يمكن أن يكون جزئيًا أو ظرفيًا، بل يتطلب حالة اشتباك شاملة على المستويات الشعبية والسياسية والإعلامية، لإسقاط هذا القانون وفضح أبعاده أمام العالم. إن وحدة الموقف الفلسطيني في مواجهة هذا التشريع تصبح ضرورة وطنية، لا خيارًا.
وفي قلب هذا المشهد، تقف الحركة الأسيرة كعنوان مركزي للصمود. هؤلاء الذين خاضوا معارك الأمعاء الخاوية، وواجهوا العزل والتعذيب، يواجهون اليوم محاولة جديدة لكسر إرادتهم عبر المقصلة القانونية. لكن التاريخ يشهد أن الأسرى لم يكونوا يومًا الحلقة الأضعف، بل كانوا في كثير من الأحيان طليعة الوعي الوطني، وصوتًا حيًا للحرية داخل جدران القهر. إن استهدافهم بهذا الشكل يعكس حجم الخوف الذي يمثّلونه للاحتلال، لا العكس.
أما في سياق يوم الأرض، فإن الربط بين الأرض والأسير يصبح أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. الأرض التي صودرت بقوة السلاح، يُراد تثبيت اغتصابها عبر قتل من دافعوا عنها. وكأن الاحتلال يقول إن المعركة لم تعد على الجغرافيا فقط، بل على الوجود ذاته. وهنا تتجلى الحقيقة الأعمق: أن الدفاع عن الأسرى هو دفاع عن الأرض، وأن مواجهة هذا القانون هي امتداد طبيعي لمعركة البقاء الفلسطيني.
وفي الختام .. إن “قانون إعدام الأسرى” ليس مجرد تشريع عابر، بل علامة فارقة في مسار صراع طويل، يكشف الوجه الحقيقي للاحتلال كمنظومة تقوم على القتل المنظم وشرعنته. لكنه، في الوقت ذاته، يضع هذا الاحتلال أمام حقيقة لا يمكن تغييرها بالقوانين: أن شعبًا يقاوم منذ عقود لن تُخضعه المقاصل، وأن الحرية التي تُنتزع بالنضال لا تُعدم بقرار.
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تتجدد البوصلة: الأرض باقية، والأسرى باقون في وجدانها، والاحتلال إلى زوال. سيبقى هذا القانون شاهدًا على جريمة، وسيبقى الفلسطيني شاهدًا على حقه… حتى ينتصر.
