في لحظةٍ تتكشّف فيها الحقائق بعيداً عن ضجيج الشعارات، يخرج أحمد داوود أوغلو—أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية التركية الحديثة—بتصريحات تهزّ صورةٍ طالما سعت أنقرة إلى ترسيخها في الوعي العام. فالكلام هنا لا يصدر عن خصمٍ سياسي خارجي، بل عن رجلٍ كان في صلب صناعة القرار، ويعرف خفايا البنية التي تحكم العلاقة بين الدولة والاقتصاد والسياسة.

ما كشفه داوود أوغلو ليس تفصيلاً عابراً، بل يضعنا أمام تناقضٍ بنيوي بين خطابٍ سياسي يرفع لواء القضية الفلسطينية، وبين شبكة مصالح اقتصادية عميقة تربط تركيا بالكيان الصهيوني.

اقتصاد المصالح لا خطاب الشعارات

حين يُقال إن ثلث احتياجات الكيان الصهيوني من الحديد والصلب يأتي من تركيا، فنحن لا نتحدث عن تجارة هامشية، بل عن مساهمة مباشرة في البنية التحتية والصناعات الحيوية، بما فيها تلك المرتبطة بالمؤسسة العسكرية. الحديد هنا ليس مجرد مادة خام، بل هو عمود الفعل المادي لأي آلة حرب أو مشروع استيطاني.

أما الحديث عن الغذاء، والمعدات، والمواد الخام، وحتى وقود الطائرات، فيكشف أن العلاقة ليست ظرفية ولا محدودة، بل هي علاقة إمداد مستمر تشمل مفاصل الحياة اليومية والعسكرية معاً. وهذا يعني أن ما يُقدَّم في العلن من مواقف تصعيدية، يُقابله في الخفاء تدفّق منتظم لشرايين الدعم.

الدولة العميقة أم اقتصاد السلطة؟

الأخطر في تصريح داوود أوغلو هو الإشارة إلى أن السفن التي تنقل هذه البضائع مملوكة لشخصيات مرتبطة بحزب العدالة والتنمية نفسه. هنا تنتفي حجة “القطاع الخاص المستقل”، وندخل في منطقة تداخل السلطة مع رأس المال.

هذا التداخل يكشف نموذجاً معروفاً في الأنظمة التي تمزج الأيديولوجيا بالبراغماتية:
خطاب موجّه للجمهور قائم على العاطفة والهوية، مقابل سلوك فعلي تحكمه حسابات الربح والنفوذ.

بمعنى آخر، ليست المسألة ازدواجية فردية، بل بنية كاملة تُنتج خطابين متوازيين:

خطاب تعبوي للجماهير

وسلوك اقتصادي يخدم شبكة مصالح عابرة للشعارات

النفاق كأداة سياسية

وصف هذا الواقع بـ”النفاق” ليس انفعالاً، بل توصيف سياسي دقيق. فالنفاق هنا ليس خللاً، بل أداة تُستخدم لإدارة التناقض بين الداخل والخارج:

داخلياً: كسب الشرعية الشعبية عبر تبنّي خطاب “نصرة فلسطين”

خارجياً: الحفاظ على علاقات اقتصادية واستراتيجية مع الكيان الصهيوني

وهذا ما يفسّر كيف يمكن لخطابٍ ناري أن يتزامن مع استمرار التبادل التجاري، بل وازدهاره في بعض المراحل.

تداعيات على الوعي العام

تكمن خطورة هذا النموذج في تأثيره على وعي الشعوب. إذ يتم تحويل القضايا المصيرية إلى أدوات في لعبة سياسية، حيث يُستهلك الغضب الشعبي في الخطاب، بينما تُدار المصالح في الواقع بعيداً عن المساءلة.

هذا يفرض إعادة طرح أسئلة جوهرية:

هل تكفي التصريحات والمواقف الإعلامية لقياس الموقف الحقيقي للدول؟

أم أن المؤشر الفعلي هو شبكة المصالح الاقتصادية والتجارية؟

ومن يملك القرار: الخطاب السياسي أم رأس المال المرتبط بالسلطة؟

خاتمة: حين تسقط الأقنعة

ما كشفه داوود أوغلو ليس مجرد فضيحة سياسية، بل لحظة انكشاف لبنية كاملة من إدارة التناقض. فالدول لا تُقاس بما تقوله، بل بما تفعله فعلاً، وما تسمح باستمراره ضمن شبكاتها الاقتصادية.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: “هل هناك نفاق؟”
بل يصبح: “إلى أي مدى أصبح النفاق نظاماً قائماً بذاته؟”

وهنا تحديداً، تبدأ معركة الوعي—حين يدرك الناس أن ما يُقال على المنابر قد يكون النقيض الكامل لما يجري في الموانئ.

د.نبيلة عفيف غصن