في سلوان جنوبي الأقصى، يتصاعد مشهد الاستيلاء على البيوت كسياسة ممنهجة تستهدف الوجود المقدسي في أحيائ، بحسب جمعية “عير عميم”، فقد تجاوز عدد الشقق المستولى عليها أو المهددة بالإخلاء في حي بطن الهوى وحده 80 شقة تعود لعشرات العائلات.
وتشير مؤسسة “بتسيلم” الإسرائيلية إلى أن أكثر من 2200 مقدسي، ما يعادل نحو 90 عائلة في حي بطن الهوى، يواجهون خطر التهجير، بينهم قرابة 200 طفل، إلى جانب نحو 1500 من سكان 150 عائلة في حي البستان.
كما توضح “بتسيلم” أن أكثر من 30 عائلة فلسطينية جرى تهجيرها من بطن الهوى منذ عام 2015 بعد استيلاء المستوطنين على منازلها، فيما رفضت المحاكم الإسرائيلية عدة استئنافات، وأصدرت لاحقًا أوامر بإخلاء 157 مقدسيًا من منازلهم في أحكام صدرت أواخر عام 2025.
وحول هذه التطورات الأخيرة في سلوان،كتبت د.نبيلة عفيف غصن مقالا بعنوان:
“سلوَان-القدس” تُغتال على الهواء… والكابينيت يدير ماكينة الاقتلاع
ما يجري في القدس المحتلة، وتحديدًا في سلوَان، لم يعد حدثًا يمكن إدراجه ضمن خانة “الانتهاكات اليومية” التي اعتاد الإعلام تمريرها كأرقام عابرة. نحن أمام سياسة اقتلاع منظّمة، تُدار من أعلى مستويات القرار في الكيان الصهيوني، وتُترجم ميدانيًا على شكل تهجير قسري، إعدامات ميدانية، واستيطان احتفالي فوق أنقاض البيوت.
حين تتحدث إذاعة الجيش الإسرائيلي عن اجتماعات “الكابينيت”، فهي لا تنقل خبرًا إداريًا عابرًا، بل تعكس غرفة العمليات الفعلية لمشروع استعماري إحلالي، يُخطّط بدقة لكيفية تفريغ الأرض من أهلها وإعادة ملئها بالمستوطنين. ما جرى خلال 48 ساعة فقط في سلوَان—تهجير 13 منزلًا تعود لعائلتي الرجبي والبابوس، وإحلال مستوطنين مكانهم فورًا مع رفع الأعلام والاحتفال—ليس إلا نموذجًا مكثفًا لهذا المشروع.
هذه ليست “اشتباكات”، ولا “توترات”، ولا حتى “حملة أمنية” كما يحلو للبعض تسميتها. إنها عملية تطهير ديمغرافي مكتملة الأركان.
في جبل المكبر، يُقتل الشاب قاسم شقيرات داخل غرفته، ويُحتجز جثمانه، ويُعتقل أحد أفراد عائلته. هنا لا يعود القتل مجرد وسيلة قمع، بل يتحول إلى رسالة سياسية: لا مكان آمنًا، لا داخل البيت ولا خارجه، ولا حتى بعد الموت. الجسد نفسه يصبح رهينة في يد الاحتلال، يُستخدم للابتزاز وكسر الإرادة.
أما في البستان وبطن الهوى، فالصورة أكثر وضوحًا وخطورة: 128 منزلًا مهددًا بالهدم، ونحو 40% من منازل سلوَان تحت سيف الإزالة أو المصادرة. هذه الأرقام لا تعكس أزمة إسكان، بل تعكس مشروعًا لإعادة هندسة الجغرافيا السكانية، بحيث تتحول القدس إلى فضاء “نظيف” من سكانه الأصليين.
ما حدث في الشيخ جراح لم يكن استثناءً، بل كان بروفة. واليوم، تُعاد المسرحية نفسها في سلوَان، ولكن على نطاق أوسع، وبوقاحة أكبر، وبتواطؤ دولي أشد صمتًا.
المفارقة القاتلة أن المستوطنين لا يكتفون بالاستيلاء على البيوت، بل يحتفلون داخلها. هذا الاحتفال ليس تفصيلًا، بل جزء من الحرب النفسية: تحويل الجريمة إلى طقس نصر، وإجبار الضحية على مشاهدة اغتصاب بيته وهو يتحول إلى منصة لرايات المحتل.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تبقى من الخطوط الحمراء؟
إذا كان تهجير العائلات، وقتل الشباب في غرفهم، وتهديد مئات المنازل لا يستدعي تحركًا دوليًا حقيقيًا، فمتى يتحرك هذا العالم؟
الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها واضحة: الكيان الصهيوني لا يدير “نزاعًا”، بل ينفّذ مشروع اقتلاع شامل، والكابينيت ليس سوى العقل التنفيذي لهذا المشروع. وكل تأخير في المواجهة—سياسيًا وشعبيًا—يعني مزيدًا من البيوت المصادرة، ومزيدًا من العائلات المشردة، ومزيدًا من الأرض التي تُسرق تحت غطاء الصمت.
سلوَان اليوم ليست مجرد حيٍّ يُستهدف، بل هي خط المواجهة الأول في معركة الوجود. وما يجري فيها ليس خبرًا عاجلًا… بل جرس إنذار أخير.
