رفع علم الكيان الصهيوني في بلدة حضر بالجولان رمز فاضح لانهيار السيادة وانتهاء مشروع المقاومة. المشهد يعكس تفككًا في البنية الحامية ويُظهر كيف أن الفراغ والارتباك السياسيان جعلا بعض القوى أداوتَ فراغ. كما يختلف جنوب لبنان بوضوح، حيث تؤكد المقاومة أن الأرض ليست قابلة للمساومة. والمطلوب اليوم ليس مجرد ردة فعل، بل إعادة ضبط الأولويات وتغيير السردية القائمة. التاريخ لن يغفر من يضيع البوصلة.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
ليست المسألة خبرًا عابرًا ولا صورةً صادمة تُستهلك في يومٍ واحد. أن يُرفع علم الكيان على مدخل بلدة حضر، فهذه لحظة فاضحة، تكشف ما هو أعمق من اختراقٍ ميداني: إنها لحظة انهيار في تعريف العدو، وارتباك في معنى السيادة، وتآكل في العقيدة التي يفترض أن تحمي الأرض.
الرايات لا تُرفع صدفة. حين يصل علم العدو إلى هذا الحدّ من العلنية، فذلك يعني أن شيئًا في البنية الحامية قد انهار: قرارٌ غائب، إرادةٌ مُصادَرة، أو مشروعٌ ضائع. الأخطر من ذلك، أن يتحوّل هذا المشهد إلى أمرٍ يمكن التعايش معه، أو تبريره تحت عناوين “الواقعية” و”توازنات المرحلة”. هنا تحديدًا يبدأ السقوط الحقيقي.
في الضفة الأخرى من الجبهة، يقدّم جنوب لبنان نموذجًا نقيضًا بالكامل: هناك، لا يُترك للعدو شبرٌ من الرمزية قبل الجغرافيا. تُمنع رايته قبل أن تُفكّر بالارتفاع، لأن العقيدة التي تحكم الصراع واضحة: الأرض ليست ملفًا تفاوضيًا، بل حدٌّ وجوديّ لا يُساوَم عليه. لذلك، تصبح المواجهة دائمة، والردع متراكمًا، والكرامة خطًا أحمر لا يُمس.
أما في الجنوب السوري، فالمأساة ليست في العجز فقط، بل في تحوّل بعض القوى إلى أدوات فراغ، بلا مشروع سيادي، بلا أفق مقاوم، وبلا تعريف صلب للعدو. حين تُختزل الأرض في إدارة مؤقتة، وحين تُستبدل السيادة بتوازنات هشة، يصبح رفع علم العدو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل، لا حادثة شاذة.
المشكلة ليست في الصورة… بل في ما سبقها: سنوات من التفكك، من تشظّي القرار، من تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لكل من يملك القدرة على الاختراق. في هذا الفراغ، لا تحتاج القوى المعادية إلى معارك كبرى؛ يكفيها أن تجد بيئة رخوة، حتى تتحوّل الرموز إلى غنائم سهلة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تثبيت هذا الواقع كقدر. هنا يجب كسر السردية: الجنوب السوري ليس أرضًا مستسلمة بطبيعتها، بل منطقة مُنهكة، أُسقطت عليها توازنات قسرية. في عمق هذه الأرض ذاكرة مقاومة، وهوية رفض، وتاريخ لم يُمحَ رغم كل محاولات الطمس.
رفع العلم قد يكون صرخة انتصارٍ مؤقتة للعدو، لكنه في الوقت نفسه جرس إنذار مدوٍّ. فإما أن تتحوّل هذه اللحظة إلى نقطة انحدار مستمر، أو إلى شرارة وعي تعيد ترتيب الأولويات: من يحمي الأرض؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يحدد موقعها في معادلة الصراع؟
التاريخ في هذه المنطقة لا يرحم المترددين، ولا يغفر لمن يضيّع البوصلة. وما بين نموذجٍ يصنع الردع وآخر يتآكل تحت ضغط الفراغ، يبقى السؤال مفتوحًا—لكن الإجابة تُكتب دائمًا على الأرض، لا في البيانات.
