مع دخول الحرب يومها الرابع والعشرين، لم تعد المواجهة مجرد تبادل ضربات بين إيران والكيان الصهيوني برعاية أميركية، بل تحولت إلى مشهد إقليمي مركّب تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، وتُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك على أكثر من جبهة. ما يجري ليس تصعيدًا عابرًا، بل اختبارًا حقيقيًا لتوازنات القوة في غرب آسيا.

إيران تحت النار… ولكن ليست في موقع الدفاع

تكثيف الضربات على جنوب إيران، من الأحواز إلى سيرجان، وصولًا إلى طهران وتبريز، يكشف محاولة واضحة لضرب العمق الحيوي وإرباك الداخل. غير أن استمرار التظاهرات المؤيدة للسلطة الإيرانية يعكس فشل الرهان التقليدي على تفكيك الجبهة الداخلية عبر الضغط العسكري. فبدل الانهيار، يبدو أن الداخل الإيراني يتجه نحو مزيد من التماسك، وهو عنصر لطالما أسقط حسابات خصومه.

الخليج يدخل المعادلة: البحرين وساحة الاشتباك الجديدة

دخول البحرين على خط المواجهة عبر استهداف منشآت يُعتقد أنها أميركية في المنامة، يوسّع رقعة الحرب نحو الخليج. هذه الضربات تحمل رسالة مزدوجة: أولًا، أن القواعد الأميركية لم تعد بمنأى عن الرد؛ وثانيًا، أن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها. هنا، يتحول الخليج من منطقة دعم لوجستي إلى ساحة مواجهة مباشرة.

هرمز: إيران تفرض قواعدها

في مضيق هرمز، لا تكتفي إيران بالتهديد، بل تمارس سياسة فرض الأمر الواقع. مرور ناقلات الغاز بمحاذاة السواحل الإيرانية ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر على إعادة ضبط حركة الملاحة وفق شروط جديدة. ومع تلويح طهران بزرع الألغام، يصبح الاقتصاد العالمي نفسه رهينة هذا الصراع، ما يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية ضدها.

لبنان: جبهة مشتعلة ورسائل نارية

في الجنوب اللبناني، يستمر التصعيد مع تقدم قوات الاحتلال في بعض النقاط الحدودية، مقابل رد من حزب الله عبر قصف الجليل وعرض مشاهد استهداف نوعية. نشر فيديوهات لضرب قاعدة بحرية حساسة واستخدام صواريخ دقيقة، يتجاوز البعد العسكري إلى الحرب النفسية، حيث يُراد تثبيت معادلة ردع قائمة على كشف الهشاشة الإسرائيلية أمام الرأي العام.

العراق: هدوء حذر أم إعادة تموضع؟

الهدوء النسبي في العراق، المرتبط بهدنة مؤقتة حول قاعدة فيكتوريا، لا يعكس استقرارًا بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع أميركي. طلب وقف إطلاق النار لتأمين انسحاب القوات يكشف حجم القلق من تحول العراق إلى ساحة استنزاف مفتوحة، وهو ما تسعى واشنطن لتفاديه في هذه المرحلة.

الكيان الصهيوني تحت الضغط: الدفاع بدل الهجوم

استمرار سقوط الصواريخ الباليستية على منطقة “غوش دان” يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة. فرغم التفوق الدفاعي، لم يعد الكيان قادرًا على منع الاختراقات، ما يضعه في موقع المتلقي للضربات. هذه المعادلة تُفقده إحدى أهم أوراقه: صورة “الأمن المطلق”.

واشنطن تبرّر… لا تقود

في الخلفية، تحاول واشنطن ووسائل إعلامها تبرير تعثر الحملة، في إشارة إلى فجوة بين التوقعات والواقع. فالحرب التي كان يُفترض أن تكون سريعة وحاسمة، تحولت إلى نزاع مفتوح متعدد الجبهات، يهدد بالتمدد بدل الانكماش.

خلاصة: حرب على شكل نظام إقليمي جديد

ما يتكشف اليوم ليس مجرد حرب، بل لحظة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي. إيران لا تقاتل فقط للدفاع عن نفسها، بل لفرض معادلة جديدة عنوانها: تعدد الساحات، وتشابك الردود، وكسر احتكار القوة. في المقابل، يجد خصومها أنفسهم أمام حرب لا يمكن ضبط إيقاعها بسهولة، ولا حسمها بالوسائل التقليدية.

إنها حرب تتجاوز الميدان، لتصبح صراعًا على من يكتب قواعد المرحلة القادمة.

د.نبيلة عفيف غصن