ليست المرة الأولى التي ينكشف فيها الخطاب السياسي في لبنان على حقيقته الهشة، لكن ما يجري اليوم حول قضية إيواء النازحين في الكرنتينا ليس مجرد نقاش إداري أو اختلاف في وجهات النظر، بل هو انحدار أخلاقي وسياسي مكتمل الأركان، حيث تتحول معاناة الناس إلى مادة للاستثمار الرخيص، ويُستبدل العقل بالخوف، والإنسان بالهواجس.

من مخزومي الذي يتحدث عن “تداعيات أمنية وتنظيمية”، إلى قيومجيان الذي يلوّح بـ”قنبلة موقوتة”، إلى مارون الحلو الذي يخشى “تفجراً ديموغرافياً”، وصولاً إلى رازي الحاج ونقولا الصحناوي الذين يرون في مركز إيواء “بؤرة أمنية”… تتكامل هذه التصريحات لتؤلف جوقة واحدة، لا تختلف في النبرة ولا في الجوهر: التخويف، التحريض، وإعادة إنتاج خطاب العزل.

لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: من القنبلة فعلاً؟
أهو الإنسان الذي هُجّر من بيته تحت النار؟ أم الخطاب الذي يحوّله إلى تهديد؟

ما يُقال اليوم ليس بريئاً، ولا يمكن تغليفه بمصطلحات “الحرص على الأمن” أو “مصلحة المدينة”. هذه اللغة، حين تُستخدم بهذا الشكل المنهجي، لا تحمي مدينة، بل تزرع شقوقاً داخلها. هي لا تمنع الفوضى، بل تؤسس لها، لأنها ببساطة تنزع الإنسانية عن فئة من الناس، وتضعها في خانة الشبهة الجماعية.

الأخطر من ذلك، أن هذه الجوقة تتصرف وكأن الذاكرة الوطنية مثقوبة. كأنها نسيت – أو تناست – أن أبناء الجنوب لم يكونوا يوماً عبئاً على هذا البلد، بل كانوا في قلب تاريخه، في عمله، في اقتصاده، وفي مقاومته. هؤلاء الذين يُراد تصويرهم اليوم كـ”خطر محتمل”، هم أنفسهم الذين حملوا أثقالاً لم يحملها كثيرون، ودفعوا أثماناً لم يدفعها سواهم.

في مقابل هذا الانحدار، يخرج صوت آخر، ليس سياسياً ولا حزبياً، بل صوت الناس أنفسهم. صوت الجنوب الذي لا يتوسل مكاناً، ولا يبحث عن استقرار بديل، بل يعلن بوضوح كرامته وانتماءه:
ليسوا طارئين، ولا طامعين، ولا مستوطنين جدد كما يحاول البعض أن يوحي. هم أهل أرض، وأصحاب بيوت، وذاكرة متجذرة لا تُستبدل بـ”غرفة جاهزة” ولا بـ”واجهة بحرية”.

حين يقول أحدهم: “نحنا ما منخوّف نبقى بالتنك… وما رح نبدل الجنوب بشي”، فهو لا يرد على سياسي، بل يضع معياراً أخلاقياً كاملاً في وجه خطاب كامل.
وحين يكتب شاب من العاقورة: “ما تخافوا منن… بكرا بيرجعوا”، فهو لا يطمئن فقط، بل يفضح هشاشة الخوف المصطنع.

هنا تتكسر كل السرديات.
فمن يعرف الجنوب، يعرف أن العلاقة بالأرض هناك ليست تفصيلاً، بل قدر. أن الغياب عنها مؤقت مهما طال، وأن العودة ليست خياراً بل حتمية. وهذا ما يجعل كل خطاب التخويف سخيفاً في جوهره، لأنه يبني سيناريوهات على أوهام.

لكن ما يجب التوقف عنده بجدية، ليس فقط مضمون هذه التصريحات، بل نتائجها.
التحريض ليس رأياً. هو فعل.
وحين يُضخ هذا الكم من الخطاب المشحون، فإن المسؤولية لا تبقى نظرية. أي احتكاك، أي توتر، أي حادث، لن يكون معزولاً عن هذه المناخات التي يجري تصنيعها عمداً.

هنا تسقط كل الادعاءات بالحرص على “الأمن”. لأن الأمن لا يُبنى بالخوف من الناس، بل بحمايتهم. ولا يُصان عبر عزلهم، بل عبر احتوائهم. ومن يحرّض على رفضهم، لا يحمي المجتمع، بل يضعه على حافة الانفجار.

في النهاية، المسألة ليست الكرنتينا، ولا مركز إيواء، ولا حتى قرار حكومي.
المسألة أعمق بكثير: أي بلد نريد؟

بلد يُقاس فيه الإنسان بمكان نزوحه؟
أم بلد يُقاس بقدرته على احتضان أبنائه في أصعب لحظاتهم؟

بين جوقة التخويف، وصوت الكرامة، تتحدد المعركة الحقيقية.
وإن كان لا بد من “لائحة” تُكتب اليوم، فهي ليست لائحة تهديدات كما يروج البعض، بل لائحة أخلاق:
من وقف مع الناس، ومن استثمر في آلامهم.

أما الجنوب، الذي حاول البعض تحويله إلى “فزاعة”، فيبقى ببساطة ما كان دائماً:
جذر هذا البلد… لا ضيفاً عليه.

د.نبيلة عفيف غصن