يشهد عيد الفطر في فلسطين صورة معاكسة لروح العيد، مع اعتقال آلاف الفلسطينيين، من بينهم نساء وأطفال، وسط إغلاق للمسجد الأقصى والحاويج المغلقة والمدن المحاصرة. يُعد الاعتقال الإداري أداة للقوة، حيث يُستخدم للتحكم في الأفراد دون محاكمة، في سياق يسعى لتفكيك المجتمع وتفريغه من مقوماته. يعكس الوضع السياسي والاجتماعي توسعاً في استهداف المجتمع الفلسطيني، من خلال اقتحامات مكثفة، وإغلاق المقابر والمساجد، مع تصاعد الصراع إلى مستوى إعادة تشكيل الهوية والرمزية.

كتبت د. نبيلة عفيف غصن
عشية عيد الفطر، اللحظة التي يُفترض أن تُستعاد فيها معاني الفرح الجماعي والتكافل الإنساني، يكشف المشهد في فلسطين عن صورة معاكسة تمامًا: آلاف الغائبين خلف القضبان، مدن محاصرة، مساجد مغلقة، وأعياد تُؤدّى على الحواجز وتحت فوهات البنادق. هنا، لا يعود العيد مناسبة دينية فحسب، بل يتحوّل إلى اختبار سياسي وأخلاقي يكشف طبيعة الصراع وحدوده الحقيقية.

الأرقام، في هذا السياق، لا تُقرأ بوصفها معطيات إحصائية جامدة، بل كدلالة على بنية كاملة من السيطرة. أكثر من 9500 معتقل، بينهم نساء وأطفال، وآلاف المعتقلين إداريًا دون محاكمة، ومئات المصنّفين تحت مسمّى “مقاتلين غير شرعيين”، بمن فيهم معتقلون من لبنان وسورية الطبيعية. هذه ليست حالة اعتقال تقليدية مرتبطة بسياق أمني مؤقت، بل نظام احتجاز واسع النطاق، يعيد تعريف العلاقة بين القوة والسكان الواقعين تحت الاحتلال.

الاعتقال الإداري: هندسة الغياب المفتوح

يشكّل المعتقلون الإداريون، الذين بلغ عددهم 3442، العمود الفقري لهذا النظام. الاعتقال الإداري، بطبيعته، لا يقوم على محاكمة أو إدانة، بل على قرار مفتوح قابل للتجديد، ما يحوّل الزمن نفسه إلى أداة عقاب. هنا، لا يُسجن الجسد فقط، بل تُعلّق الحياة بكاملها في حالة انتظار بلا أفق.

هذه النسبة المرتفعة – نحو 36% من إجمالي المعتقلين – تعكس انتقال الاحتلال من سياسة “الرد على الفعل” إلى سياسة “منع الإمكانية”. أي أن الهدف لم يعد معاقبة نشاط قائم، بل تفكيك أي احتمال لفعله مستقبلًا، عبر سحب الأفراد من المجال العام قبل أن يتحولوا إلى فاعلين فيه.

الأطفال والنساء: تفكيك المجتمع من أطرافه الأكثر هشاشة

وجود 350 طفلًا في السجون، إضافة إلى 79 معتقلة، ليس تفصيلًا إنسانيًا هامشيًا، بل مؤشر على طبيعة الاستهداف. حين يدخل الأطفال دائرة الاعتقال، فإن الرسالة تتجاوز الفرد لتطال البنية الاجتماعية بأكملها. الطفولة هنا تُجرّد من معناها، وتُستبدل بتجربة مبكرة مع القمع، بما يحمله ذلك من آثار نفسية واجتماعية طويلة المدى.

أما اعتقال النساء، فيحمل بعدًا مضاعفًا، إذ يستهدف دورهن داخل العائلة والمجتمع، ويحوّل الاعتقال إلى أداة ضغط ممتدة تتجاوز الشخص المعتقل إلى محيطه الكامل.

“المقاتل غير الشرعي”: إعادة تعريف القانون لخدمة القوة

تصنيف 1249 معتقلًا تحت مسمّى “المقاتلين غير الشرعيين” يفتح الباب أمام قراءة أعمق لاستخدام القانون كأداة سياسية. هذا المصطلح، الفضفاض بطبيعته، يسمح بإخراج المعتقلين من أي إطار قانوني تقليدي، سواء مدني أو عسكري، ما يضعهم في منطقة رمادية تُبرّر احتجازهم لفترات طويلة دون ضمانات.

الأخطر أن هذا التصنيف لا يقتصر على الفلسطينيين، بل يشمل أيضًا معتقلين عربًا، ما يشير إلى توسّع دائرة الاستهداف خارج الجغرافيا المباشرة، وربطها بسياق إقليمي أوسع.

إغلاق الأقصى: من السيطرة الأمنية إلى الصراع على الرمزية

للمرة الأولى منذ عام 1967، يُمنع أداء صلاة العيد في المسجد الأقصى، ويُغلق المكان لأسابيع متتالية، بينما يُجبر المصلون على أداء شعائرهم عند الحواجز وفي الشوارع. هذا التطور لا يمكن قراءته كإجراء أمني عابر، بل كتحوّل في مستوى السيطرة، من إدارة المكان إلى إعادة تعريفه.

المسجد الأقصى، بما يحمله من رمزية دينية وسياسية، ليس مجرد موقع جغرافي، بل عنصر مركزي في الهوية. إغلاقه في لحظة العيد تحديدًا يهدف إلى كسر هذه الرمزية، أو على الأقل إخضاعها لمنطق القوة.

الاقتحامات اليومية: تثبيت السيطرة عبر الإيقاع المتكرر

تزامن العيد مع سلسلة اقتحامات في البيرة، رام الله، نابلس، جنين، قلقيلية، وغيرها، يعكس نمطًا ثابتًا: لا هدنة زمنية، ولا استثناءات رمزية. الاقتحام هنا ليس فقط عملية عسكرية، بل إيقاع يومي يُعاد إنتاجه لترسيخ واقع السيطرة.

حتى المقابر لم تسلم من هذا الإيقاع، حيث مُنع الأهالي من الوصول إلى قبور الشهداء، في مشهد يعكس امتداد السيطرة إلى الذاكرة نفسها، لا الحاضر فقط.

غزة: عيد تحت ظلال الإبادة

في غزة، حيث يخرج الأطفال للاحتفال بعد عامين من حرب مدمّرة، يبدو العيد أقرب إلى فعل مقاومة رمزي منه إلى مناسبة احتفالية. الفرح هنا هشّ، محاط بآثار الدمار، ومهدد في أي لحظة بالعودة إلى دائرة العنف.

إصابة الأطفال، واستمرار الاستهداف، يعكسان أن القطاع لا يزال يعيش في حالة حرب مفتوحة، حتى في أكثر اللحظات إنسانية.

بين السجن الكبير والسجن الأصغر

إذا كانت السجون تحتجز آلاف الفلسطينيين، فإن ما يجري خارجها يشي بصورة أوسع: مدن محاصرة، حواجز مغلقة، مساجد مُقيّدة، وحياة يومية خاضعة لإجراءات استثنائية. الفارق بين “داخل السجن” و”خارجه” يصبح، في هذه الحالة، فارقًا في الدرجة لا في النوع.

بهذا المعنى، يتحوّل الاعتقال من حالة فردية إلى بنية عامة، يصبح فيها المجتمع بأكمله واقعًا تحت أشكال مختلفة من الاحتجاز.

خلاصة: العيد كاشفٌ سياسي

ما يجري عشية عيد الفطر يتجاوز كونه انتهاكات متفرقة، ليشكّل لوحة متكاملة تكشف طبيعة المرحلة. نحن أمام تصعيد لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الحياة اليومية، والرموز الدينية، والبنية الاجتماعية.

العيد، في هذا السياق، لم يُلغَ، لكنه تغيّر معناه. لم يعد لحظة خروج من الزمن العادي، بل صار مرآة مكبّرة له. وكلما اشتدّ القيد، ازداد وضوح الصورة: صراع لا يُدار فقط بالسلاح، بل بالتحكم في الزمن، والمكان، والمعنى نفسه.