الجنوب السوري يُباع بلا قتال: حين تتحوّل السلطة إلى بوابة مفتوحة للعدو

يلخّص المقال مشهدًا مُقلقًا حول الجنوب السوري، حيث تُسلَّم الأرض بلا قتال، وسط صمت وانحشار سلطة أمر واقع، تهتم بالبقاء والهيمنة الداخلية أكثر من حماية الحدود. تتحول السيادة إلى مفاوضات وحسابات ضيقة، بينما تتراجع قيم المقاومة والكرامة، ما يعزز الانقسام بين الداخل والخارج. النتائج مؤجلة، لكنها حتمية: خسارة الأراضي والردع، مع احتمال انفجار أزمة سياسية أو اجتماعية نتيجة تراكم الفجوة بين الخطاب والواقع.

كتبت د. نبيلة عفيف غصن
ليست المسألة تقدّم أمتار أو كيلومترات. ما يجري في الجنوب السوري أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام مشهد يُختصر بجملة واحدة: أرض تُسلَّم بلا قتال، وشعب يُترك بلا حماية، وسلطة أمر واقع تتقن فن الخطابة أكثر مما تعرف معنى المواجهة.

في الوقت الذي تتحول فيه جبهة جنوب لبنان إلى نار مفتوحة، حيث كل محاولة تقدم للعدو تُقابل بكلفة حقيقية، يبدو الجنوب السوري وكأنه خارج التاريخ. لا معركة، لا اشتباك، لا حتى محاولة لإيهام الناس بوجود إرادة دفاع. فقط صمت ثقيل، يشبه صمت التسليم.

سلطة بلا وظيفة… إلا البقاء

أي سلطة في العالم تُقاس بوظيفتها الأولى: حماية الأرض والناس. ما نراه اليوم هو سلطة نزعت عن نفسها هذه الوظيفة، واختزلت وجودها في البقاء بأي ثمن. لم تعد الأرض أولوية، ولا الكرامة معياراً، بل تحوّل كل شيء إلى حسابات ضيقة: كيف نبقى؟ كيف نتجنب الصدام؟ كيف نُدير الخسارة بدل أن نمنعها؟

هذا ليس “ضعفاً”، بل خيار. خيار واعٍ بالانسحاب من معادلة الصراع، وترك الجغرافيا مكشوفة أمام العدو، مقابل استمرار السيطرة في الداخل. وهنا تكمن الفضيحة: سلطة تُحكم قبضتها على الناس، لكنها تفتح يدها أمام العدو.

من وهم “التحرير” إلى حقيقة “التسليم”

سنوات طويلة من الشعارات، من “التحرير” و”المقاومة” و”السيادة”، انتهت إلى مشهد واحد: طرق مفتوحة، ودوريات معادية تتحرك دون أن تُواجَه. كيف انهار كل ذلك بهذه السرعة؟ كيف تحوّلت الخطابات إلى مجرد غطاء لواقع هشّ؟

الحقيقة القاسية أن ما بُني على الشعارات لا يصمد أمام الاختبار. حين جاءت لحظة الحقيقة، سقطت الأقنعة، وظهر الفرق بين من يرى في الصراع قضية وجود، ومن يراه عبئاً يجب تفاديه.

جنوب يُسلَّم… وشمال يُضبط

المفارقة الصارخة أن الجهد الحقيقي لا يُبذل على خطوط التماس مع العدو، بل داخل المدن والبلدات. هناك حيث تُمارَس السلطة بكامل قسوتها: ضبط، ملاحقة، قمع، وإدارة حياة الناس بالتفصيل. أما حين يتعلق الأمر بالعدو، تختفي هذه “الصرامة” فجأة، ويحل مكانها صمت مريب.

هذا الانفصام يكشف طبيعة الدور: ليس مشروع مواجهة، بل مشروع سيطرة داخلية. العدو ليس أولوية، بل ربما يُستخدم كذريعة أو كعامل ضغط يُدار لا يُقاوَم.

الكلفة المؤجلة: خسارة بلا ضجيج

قد يبدو للبعض أن تجنب الحرب مكسب. لا قصف، لا دمار، لا خسائر مباشرة. لكن هذه قراءة سطحية. ما يحدث هو تراكم لخسارة من نوع آخر: خسارة الأرض، خسارة الردع، خسارة المعنى.

الأرض التي تُؤخذ بلا قتال، يصعب استعادتها لاحقاً. والعدو الذي يتقدم بلا كلفة، سيواصل التقدم. وما يُبنى اليوم من وقائع، سيتحول غداً إلى حدود جديدة تُفرض على الجميع.

حين ينهار الداخل… يُفتح الخارج

ليست الحوادث الناتجة عن الإهمال، وغياب الرقابة، وتغليب المحسوبيات، مجرد تفاصيل منفصلة. إنها جزء من الصورة نفسها. السلطة التي لا تحاسب، ولا تحمي، ولا تبني مؤسسات، هي نفسها التي تعجز – أو ترفض – أن تواجه عدواً خارجياً.

الخلل واحد: غياب المسؤولية. حين تُدار البلاد بمنطق النفوذ لا القانون، وبمنطق الولاء لا الكفاءة، يصبح كل شيء قابلاً للانهيار: من منشأة ترفيهية إلى جبهة عسكرية.

إلى أين؟

الاستمرار بهذا المسار يعني شيئاً واحداً: تثبيت واقع جديد، تُعاد فيه صياغة الجغرافيا والسيادة دون أن تُطلق رصاصة. لكن التاريخ يُظهر أيضاً أن المجتمعات لا تبقى طويلاً في حالة إنكار. حين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، ينفجر السؤال الكبير: من المسؤول؟ ولماذا؟

قد لا يكون الانفجار عسكرياً، بل سياسياً أو اجتماعياً. لكن المؤكد أن الاستمرار في بيع الأوهام لم يعد ممكناً. الناس ترى، تقارن، وتسأل.

الخلاصة: سقوط البوصلة قبل سقوط الأرض

ما سقط أولاً ليس الأرض، بل البوصلة. حين لم يعد العدو عدواً، وحين أصبحت السيادة قابلة للتفاوض، وحين تحوّل البقاء إلى غاية تبرر كل شيء، كان الانحدار حتمياً.

المشكلة اليوم ليست في قوة العدو فقط، بل في هشاشة الداخل. ليست في التقدم العسكري، بل في غياب الإرادة السياسية للمواجهة.

وحين تجتمع هذه العوامل، لا يعود السؤال: لماذا تقدم العدو؟
بل يصبح: لماذا لم يقف أحد في وجهه؟