يدين يائير غولان، قائد سابق في الكيان، عقيدة الحسم العسكري في لبنان، مؤكّدًا أن الاجتياح البري لا يعيد الأمن. ويُظهر أن “القيادة الإسرائيلية” غارقة في فصل السياسة عن الواقع العسكري، مما يدفع البلاد نحو مغامرات غير محسوبة. كما دعا إلى التفاوض جنبًا إلى جنب مع العمليات العسكرية، ما يدل على ضعف الردع وإعسار القوة. والنتيجة أن «إسرائيل» تنتقل من موقع الفاعل إلى موقع الدفاع عن النفس، أمام تهديد مباشر للتوازن الإقليمي.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
لم يعد الأمر مجرّد نقاش داخلي أو تباين في الآراء داخل «إسرائيل»، بل تحوّل إلى اعتراف صريح يخرج من قلب المؤسسة العسكرية نفسها. يائير غولان، الذي لم يكن يومًا مراقبًا من الخارج بل صانع قرار في أخطر جبهات الكيان، يقولها بوضوح: العملية البرية في لبنان لن تعيد الأمن. هذه ليست جملة عابرة، بل إعلان سقوط لعقيدة كاملة قامت عليها «إسرائيل» منذ نشأتها: عقيدة الحسم بالقوة.
ما الذي يعنيه أن يقول قائد سابق للمنطقة الشمالية إن الاجتياح البري لن يحقق الأمن؟ يعني ببساطة أن كل ما روّجت له «إسرائيل» لعقود—تفوقها العسكري، قدرتها على الردع، جاهزيتها للحسم—يتهاوى أمام واقع ميداني صلب اسمه لبنان. فهذه الأرض التي حاولت الدبابات ابتلاعها مرارًا، تحوّلت إلى فخ استراتيجي دائم، حيث يتحول التقدم إلى استنزاف، والسيطرة إلى عبء، والانتصار إلى وهم إعلامي لا يصمد أمام الحقائق.
لكن الأخطر في كلام غولان ليس فقط تشخيص الفشل، بل فضح القيادة. حين يقول إن المسؤولين لا يفهمون في المسائل الأمنية، فهو لا ينتقد تكتيكًا، بل يطعن في شرعية القرار نفسه. هذا يعني أن «إسرائيل» تُدار اليوم بعقل سياسي منفصل عن الواقع العسكري، وأن من يقرر الحرب لا يدرك كلفتها ولا حدودها. إنها وصفة كلاسيكية للانزلاق نحو مغامرة غير محسوبة، حيث تُدفع الجيوش إلى معارك لا يمكن ربحها، فقط لإشباع نزوات سياسية أو للهروب من أزمات داخلية.
ثم تأتي القنبلة الثالثة: الدعوة إلى التفاوض بالتوازي مع العمل العسكري. هنا يبلغ التناقض ذروته. كيف يمكن لجيش يدّعي الردع أن يقاتل ويتفاوض في آن واحد؟ الجواب بسيط: لأنه لم يعد قادرًا على فرض شروطه. هذا ليس تكتيك قوة، بل سلوك مأزوم، يعكس انتقال «إسرائيل» من موقع الفاعل الذي يفرض المعادلات، إلى موقع من يحاول احتواء الخسائر ومنع الانهيار.
في العمق، يكشف هذا التصريح أن الجبهة الشمالية لم تعد ساحة يمكن التحكم بها، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية تهدد التوازن الإقليمي بأكمله. أي اجتياح بري للبنان اليوم لا يعني حربًا محدودة، بل فتح أبواب مواجهة أوسع في سورية الطبيعية، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك القوى، وحيث يصبح أي خطأ تكتيكي شرارة لانفجار كبير لا يمكن ضبطه.
إنها لحظة انكشاف تاريخية: «إسرائيل» التي بنت صورتها على سرعة الحسم، تجد نفسها عاجزة عن تحقيق الأمن حتى على حدودها. والقيادة التي تتحدث بلغة القوة، تُجبر على الاعتراف—ولو ضمنيًا—بأن القوة لم تعد كافية.
في الخلاصة، كلام يائير غولان ليس مجرد تحذير، بل شهادة من الداخل على نهاية مرحلة كاملة. مرحلة كانت فيها «إسرائيل» تفرض قواعد الاشتباك، وتحدد زمن الحروب ونهاياتها. أما اليوم، فهي تدخل حروبًا لا تعرف كيف تنهيها، وتلوّح باجتياحات تعرف مسبقًا أنها لن تحقق ما تعد به.
السؤال لم يعد: هل ستنجح العملية البرية؟
بل أصبح: كيف وصل الكيان إلى مرحلة يعرف فيها أن الحرب لن تنقذه… ومع ذلك يندفع نحوها؟
