الخليج على حافة الانهيار: هل انتهت حقبة الواحات الاقتصادية؟
د. نبيلة عفيف غصن
تتصاعد المؤشرات الاقتصادية لتكشف هشاشة خليجية لم تعد خافية على أحد. تحديث Goldman Sachs الأخير لتوقعاته حول نمو الاقتصاد العالمي جاء بمثابة الصدمة: إذا استمر إغلاق مضيق هرمز حتى أبريل 2026، فإن دول الخليج تواجه أزمة غير مسبوقة، قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة برمتها. الهشاشة المالية، التي طالما كانت مخفية خلف واحات نفطية زاهية، بدأت تظهر بوضوح في الأرقام، لتضع السؤال الكبير على الطاولة: هل انتهى زمن الاستقرار الخليجي المزيف؟
قطر والكويت، اللتان اعتُبرت اقتصاداتهما من الأكثر ثباتاً في المنطقة، ستكونان الأكثر تضرراً. Goldman Sachs تتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما بنسبة 14%، وهو تراجع لم تشهده هذه الدول منذ التسعينيات. هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل تعكس صدمة مالية هائلة لأجهزة الدولة، التي تعتمد اعتماداً شبه كامل على الإيرادات النفطية لتغطية الإنفاق العام، دعم الخدمات الاجتماعية، وتمويل المشاريع الاستراتيجية. انهيار بهذا الحجم يعيد إلى الأذهان مشاهد أزمات سابقة، لكن هذه المرة في قلب خليج النفط.
في المقابل، الإمارات والسعودية حاولتا التخفيف من وقع الأزمة عبر مسارات بديلة لتصدير النفط، لكن هذه الإجراءات لا تعني الحصانة. من المتوقع أن تشهد الإمارات انخفاضاً بحوالي 5%، والسعودية 3% من الناتج المحلي الإجمالي. تبدو النسب أقل حدة، لكنها تكشف هشاشة البنية الاقتصادية حتى في الدول التي كانت تعتبر الأكثر تنوعاً واستقراراً. ما كان يُنظر إليه على أنه “حصانة خليجية” أمام الأزمات، بدأ يتبدد بسرعة أمام صدمات إقليمية وعالمية.
يبقى النفط هو القلب النابض لهذه الاقتصادات، حيث يمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي. أي أزمة طويلة الأمد في مضيق هرمز أو أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية يمكن أن يضرب قدرة هذه الدول على التمويل العام، دعم المشروعات الحيوية، والحفاظ على مكانتها الدولية. الهشاشة الاقتصادية هنا تتجاوز المال، فهي تهدد الاستقرار الاجتماعي، السياسة الداخلية، والمصداقية الإقليمية.
لكن الأزمات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن السياسة. الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة لحماية المصالح الاقتصادية الخليجية كان كذبة كبيرة. كل الضمانات والوعود التي قُدمت لطالما كانت في الواقع موجهة لحماية الكيان الصهيوني أولاً وأخيراً، وليس لحماية اقتصادات الخليج من صدمات المنطقة. هذا الواقع دفع إيران إلى الرد على الوجود العسكري الأميركي عبر استهداف القواعد الأميركية وإغلاق مضيق هرمز، كتحذير مباشر لسياسات الهيمنة، ومكافحةً للسيطرة على منابع الطاقة.
ما يراه البعض مجرد أزمة قصيرة الأجل قد يكون البداية لتحولات أعمق. الصورة التي رسمها الإعلام لسنوات عن الخليج كمجموعة واحات اقتصادية آمنة تتعرض اليوم لانهيار تدريجي. الاعتماد المفرط على النفط، شبكة تصدير محدودة، والاعتماد الكلي على ضمانات أمنية أميركية وهمية، كلها عوامل تجعل المنطقة عرضة للصدمات الكبيرة. إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للابتعاد عن هذه الدائرة الخطرة، فإن أي أزمة صغيرة قد تتحول إلى كارثة اقتصادية شاملة.
الخلاصة واضحة: الخليج على حافة الانهيار، والواحات الاقتصادية التي اعتُبرت حصناً منيعاً بدأت تنهار أمام صدمات المنطقة والعالم. الأرقام الأخيرة تحذر من أن الأزمة الحالية قد تكون صاعقة تدمر استقرار عشرات السنين. ما يحتاجه الخليج الآن هو رؤية جديدة، اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة، واستراتيجية حقيقية تتجاوز الاعتماد الكلي على النفط وضمانات حماية أميركية زائفة. وإلا، فإن التاريخ سيكتب فصل الانهيار الكبير، بعد حقبة طويلة من الهدوء الزائف.
