الأقصى في مرمى الحرب: حين تتحوّل المقدسات إلى أدوات ضبط واشتعال
يرتبط المسجد الأقصى بالتصعيد في الحروب، حيث يتحول إلى أداة سيطرة وضبط. فالإجراءات الأمنية الصهيونية القاسية—كإغلاق البوابات وتحديد أعداد المصلين—تهدف إلى تقييد الحضور الشعبي داخله، ما يُسهل السيطرة على الحدث وسردته. ومع تفاقم الحرب، تزداد قابلية الأقصى للاشتعال المُدار، ما يجعله شرارة محتملة قد تُعيد رسم خرائط الصراع الإقليمي. إن ما يحدث في الأقصى هو جزء من البنية العميقة للحرب، حيث يُعاد تشكيل المعنى عبر ضبط المقدسات وتحديد من يملك الرواية.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
في كل حرب كبرى تشهدها سورية الطبيعية والمنطقة، لا يبقى المسجد الأقصى خارج المشهد، بل يتحول إلى بوصلة حساسة تقيس اتجاهات التصعيد ومآلاته. فالأقصى ليس مجرد موقع ديني، بل عقدة رمزية تختزل صراع الهوية والسيادة، وتُستدعى كلما أراد الفاعلون رفع منسوب التوتر أو إعادة تشكيل قواعد الاشتباك. ومع اندلاع الحرب المرتبطة بإيران، عاد الأقصى ليقف في قلب المعادلة، لا كهدف مباشر فحسب، بل كأداة ضمن منطق إدارة الصراع.
منذ الضربات الأولى، سارع الكيان الصهيوني إلى تشديد إجراءاته الأمنية في القدس المحتلة. لم يكن ذلك مجرد رد فعل احترازي، بل خطوة محسوبة ضمن سياق أوسع: ضبط المجال الحيوي المحيط بالأقصى. إغلاق بوابات، فرض قيود عمرية، وتحديد أعداد الداخلين—إجراءات اعتادها الفلسطينيون خصوصًا في رمضان، لكنها هذه المرة جاءت مبكرًا وبكثافة لافتة، وكأنها استباق لأي تحوّل محتمل في الشارع.
في الجمعة الأولى، سُمح لآلاف قليلة بالعبور، بينما بقيت الحشود تتدفق نحو الأقصى رغم القيود. غير أن الأسبوع الأول كشف عن مسار تصاعدي في التضييق، حيث تقلصت أعداد المصلين من عشرات الآلاف إلى بضعة آلاف أو حتى مئات في بعض الأوقات. هذا الانكماش العددي لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل مؤشرًا على إعادة تشكيل المجال: تقليص الحضور الشعبي يعني تقليل القدرة على الشهادة والمراقبة، وبالتالي إحكام السيطرة على ما قد يحدث داخل الحرم.
المفارقة أن هذه الإجراءات، رغم اعتياديتها الشكلية، اكتسبت دلالات أخطر في ظل الحرب. فالتسريبات الإعلامية والتكهنات—ومنها الحديث عن سيناريوهات استهداف الأقصى مع تحميل المسؤولية لطرف آخر—تعكس بيئة مشبعة بإمكانية التلاعب بالروايات. هنا، لا يعود السؤال فقط: هل سيحدث التصعيد؟ بل كيف سيُروى؟ ومن سيتحكم بصورة الحدث في لحظاته الأولى؟
في هذا السياق، يصبح الأقصى مساحة “قابلة للاشتعال المُدار”. تقليل أعداد الموجودين داخله وحوله لا يهدف فقط إلى منع الاحتكاك، بل إلى خلق بيئة يمكن التحكم بها بالكامل في حال وقوع حادث مفصلي. فكلما ضاق نطاق الشهود، اتسعت قدرة السردية الرسمية على فرض نفسها، وكلما غاب الحضور الشعبي، تراجع عنصر المفاجأة غير المحسوب.
ولا يقتصر هذا النمط على الأقصى وحده، بل يمتد إلى مواقع حساسة أخرى كالحرم الإبراهيمي في الخليل، ما يشير إلى سياسة شاملة لإعادة ضبط الفضاءات الدينية في زمن الحرب. إنها ليست مجرد إجراءات أمنية، بل إعادة هندسة للمجال الرمزي بما يتلاءم مع متطلبات الصراع المفتوح.
غير أن أخطر ما في المشهد هو قابلية الأقصى لأن يتحول إلى شرارة تتجاوز حدوده الجغرافية. فالأزمة فيه لا تبقى محلية، بل سرعان ما تتردد أصداؤها في كامل الإقليم، مستنهضة فاعلين جددًا، ودافعة بالصراع إلى مستويات غير متوقعة. في لحظة كهذه، يصبح أي حادث—مهما بدا محدودًا—قادرًا على إعادة رسم خطوط النار.
هكذا، لا يُفهم ما يجري في الأقصى بوصفه تفصيلًا هامشيًا في حرب أكبر، بل كجزء من بنيتها العميقة. فحين تُحاصر المقدسات وتُدار بوصفها نقاط تحكم، فإن الصراع يكون قد دخل مرحلة تتجاوز الجغرافيا إلى إعادة تشكيل المعنى ذاته: من يملك الرواية، ومن يحدد لحظة الانفجار.
