يعيش العراق أزمة نفطية حادة تنعكس على اقتصاده وتوازنه الجغرافي، حيث تعرضت البنية النفطية للضربات المتكررة، مما أدى إلى توقف إنتاج حقول رئيسية. كما وصلت شركات نفطية كبرى إلى قرار الانسحاب بعد فقدان الثقة في استقرار الوضع الأمني. يظهر خط كركوك–جيهان كخيار بديل محفوف بالمخاطر لتصدير النفط، لكن توتر العلاقات مع إقليم كردستان يعقد الأمور. يعكس هذا الوضع هشاشة الاقتصاد العراقي القائم على الريع النفطي، ويُبرز ضرورة إعادة تعريف الأمن القومي بما يشمل حماية البنية الاقتصادية. فالأزمة لا تخص العراق فقط، بل تهدد استقرار سوق الطاقة الإقليمي والدولي.
كتبت د. نبيلة عفيف غصن
تمهيد: النفط كسلاح في صراع الإرادات
لم يعد النفط في الشرق الأوسط مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّل إلى أداة صراع مركزي ضمن معادلة الردع والضغط المتبادل. في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، تكشف الضربات التي طالت البنى التحتية النفطية في العراق عن انتقال الصراع إلى مستوى جديد، حيث تُستهدف شرايين الطاقة بشكل مباشر، في محاولة لإعادة رسم توازنات القوة عبر الاقتصاد لا عبر الجبهات العسكرية التقليدية فقط.
أولاً: ضرب البنية النفطية — من الاستنزاف إلى الشلل الجزئي
تشير المعطيات إلى أن الضربات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، سواء المباشرة أو عبر أدوات غير مباشرة، قد بدأت تترك أثرًا ملموسًا على الإنتاج النفطي العراقي، خاصة في الجنوب حيث تتركز الحقول الكبرى. إن توقف الإنتاج في حقول مثل غرب القرنة، الفيحاء، ومجنون، ليس حدثًا تقنيًا عابرًا، بل يعكس قابلية البنية النفطية العراقية للاختراق في ظل هشاشة المنظومة الأمنية.
أما حقل الرميلة، أحد أكبر الحقول في العالم، فيشكّل القلب النابض للإنتاج العراقي، وأي تعطيل فيه يترجم فورًا إلى خسائر بمليارات الدولارات، وإلى اهتزاز ثقة الأسواق الدولية بقدرة العراق على الاستقرار كمصدر طاقة موثوق. إن ما يجري هنا يتجاوز حدود الضربات التكتيكية ليقترب من استراتيجية “الشلل المتدرج”.
ثانياً: انسحاب الشركات الأجنبية — انهيار الثقة قبل انهيار الإنتاج
قرار شركات كبرى مثل BP وTotal Energies تعليق عملياتها وإجلاء موظفيها يعكس تحولًا أخطر من مجرد توقف الإنتاج: إنه انهيار الثقة. فهذه الشركات، التي تمتلك خبرة طويلة في العمل ضمن بيئات مضطربة، لا تنسحب إلا عندما تصبح المخاطر غير قابلة للاحتواء.
هذا الانسحاب يضع العراق أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة يفقد الخبرة التقنية والاستثمارات الأجنبية، ومن جهة أخرى تتفاقم كلفة إعادة تشغيل الحقول لاحقًا. كما أن غياب هذه الشركات يضعف قدرة العراق على الحفاظ على مستويات إنتاجه في المدى المتوسط، ما يهدد موقعه ضمن منظومة “أوبك” ويقلّص هامش مناورة بغداد في السوق العالمية.
ثالثاً: خط كركوك–جيهان — فرصة إنقاذ أم نقطة اختناق جديدة؟
في ظل تعطل التصدير عبر الخليج نتيجة التوتر في مضيق هرمز، يبرز خط كركوك–جيهان كبديل استراتيجي محتمل. هذا الخط، الذي يربط شمال العراق بالموانئ التركية، قد يتحول إلى شريان حيوي لإنقاذ جزء من الصادرات العراقية.
غير أن هذه الإمكانية تصطدم بعقبتين أساسيتين:
الأولى، سياسية، تتمثل في العلاقة المتوترة بين بغداد وإقليم كردستان، حيث يمر الخط عبر أراضي الإقليم، ما يمنح أربيل ورقة ضغط إضافية في لحظة حرجة.
أما الثانية، أمنية، إذ إن المنطقة نفسها تتعرض لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، ما يجعل الاعتماد على هذا المسار محفوفًا بالمخاطر.
بالتالي، فإن هذا الخط لا يشكّل حلًا مستقرًا بقدر ما هو “بديل هش” قابل للتعطيل في أي لحظة.
رابعاً: مضيق هرمز — الاختناق الأكبر للاقتصاد الإقليمي
إن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز لا يضرب العراق وحده، بل يعيد تشكيل سوق الطاقة العالمية بأكملها. إلا أن العراق، بسبب اعتماده شبه الكلي على عائدات النفط، يُعد من أكثر الدول هشاشة أمام هذا السيناريو.
فانخفاض الصادرات يعني مباشرة انخفاض الإيرادات، ما ينعكس على قدرة الدولة على دفع الرواتب، تمويل الخدمات، والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وهنا يتحول الضغط الخارجي إلى عامل تفجير داخلي، قد يعيد العراق إلى دوامة الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
خامساً: اقتصاد الريع في زمن الحروب — انكشاف البنية العميقة
تكشف هذه الأزمة عن هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي القائم على الريع النفطي. فعندما يُستهدف النفط، تُستهدف الدولة نفسها. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لدولة أن تحافظ على سيادتها في ظل اعتمادها شبه الكامل على مورد واحد قابل للاستهداف؟
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الصراع لم يعد فقط على الأرض أو النفوذ، بل على بنية الاقتصاد ذاته. فالدول التي لا تمتلك تنوعًا اقتصاديًا تصبح رهينة لأي هزة في قطاعها الأساسي.
خاتمة: نحو إعادة تعريف الأمن القومي
ما نشهده ليس مجرد أزمة نفطية عابرة، بل تحول بنيوي في طبيعة الصراع في المنطقة. فالأمن القومي لم يعد يُقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل بمدى القدرة على حماية البنية الاقتصادية الحيوية.
بالنسبة للعراق، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا وجوديًا: إما التكيف مع واقع “اقتصاد الحرب” عبر تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستقلالية، أو البقاء في دائرة الاستنزاف حيث يتحول النفط من نعمة إلى نقطة ضعف قاتلة.
أما على مستوى الإقليم، فإن استهداف النفط ينذر بمرحلة من “فوضى الطاقة” التي قد تعيد رسم خرائط النفوذ، ليس فقط في غرب آسيا، بل في العالم بأسره.
