الجنوب اللبناني على حافة التحوّل: قراءة في التحركات الإسرائيلية ومعادلات الميدان
د.نبيلة عفيف نجم
تشهد الجبهة الجنوبية للبنان في الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً محسوباً يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل خطوط التماس وفرض وقائع ميدانية جديدة. فالمعطيات الواردة صباح 15 آذار/مارس 2026 تشير إلى محاولة القوات الإسرائيلية توسيع نطاق سيطرتها في محيط بلدة الخيام، حيث تقدمت وحدة عسكرية إسرائيلية ليلاً شرقاً انطلاقاً من المدينة، مدعومة بغطاء مدفعي وجوي مكثف.
ويبدو أن التركيز العسكري الإسرائيلي خلال تلك الليلة انصبّ بشكل أساسي على منطقة الخيام، إذ تعرضت البلدة لقصف متكرر بالطيران والمدفعية، في حين كان القصف على بقية المناطق المأهولة في الجنوب أقل كثافة من المعتاد. هذا التفاوت في حجم النيران يوحي بأن العملية لم تكن مجرد قصف ردعي أو روتيني، بل محاولة ميدانية محددة الهدف تسعى إلى تعديل خطوط الانتشار على الأرض.
غير أن نتائج هذا التقدم لا تزال غير واضحة حتى الآن. فغياب أي إعلان من حزب الله عن اشتباكات مباشرة أو استهداف للقوات المتقدمة في تلك المنطقة يفتح الباب أمام عدة احتمالات. فقد يكون التقدم الإسرائيلي محدوداً ولم يصل إلى مرحلة الاحتكاك المباشر، أو أن الحزب اختار تكتيكياً تجنب الاشتباك في هذه المرحلة، مفضلاً إعادة التموضع بدل الدخول في معركة استنزاف في منطقة مكشوفة.
من الناحية العسكرية، تشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى تسوية خط الجبهة عبر السيطرة على المساحة الممتدة بين الخيام وكفرشوبا. وإذا تحقق ذلك، فإن المنطقة الواقعة جنوب هذا الخط ستتحول عملياً إلى ما يشبه الجيب العسكري، ما يسهل على الجيش الإسرائيلي عمليات التمشيط أو الضغط عليها من عدة اتجاهات. إلا أن نجاح مثل هذا السيناريو يبقى مرتبطاً بوجود قوات فاعلة لحزب الله داخل تلك المساحة، وهو أمر غير محسوم.
في المقابل، من المعروف أن حزب الله يعتمد في إدارته للمعركة على تكتيكات مرنة تقوم على الحركة والانتشار غير الثابت، ما يقلل من أهمية السيطرة الشكلية على بعض النقاط الجغرافية. فالمواجهة بين الطرفين منذ بداية التصعيد اتخذت طابع حرب الاستنزاف المتبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالآخر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وعليه، فإن ما جرى في محيط الخيام قد يكون مجرد حلقة ضمن محاولة إسرائيلية أوسع لإعادة رسم خريطة الضغط العسكري على الحدود اللبنانية–الفلسطينية المحتلة. لكن التجربة التاريخية للجبهة الجنوبية تشير إلى أن السيطرة الميدانية لا تُقاس فقط بالتقدم الجغرافي، بل بقدرة الطرفين على الحفاظ على توازن الردع ومنع الآخر من فرض معادلة جديدة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة: من استمرار الاشتباكات المحدودة والتقدمات الموضعية، إلى احتمال توسع المواجهة إذا ما قرر أي من الطرفين تغيير قواعد اللعبة. وحتى ذلك الحين، ستظل التحركات العسكرية على الأرض جزءاً من صراع أوسع تدور فصوله بين الردع المتبادل ومحاولات كسر التوازن القائم.
