في ذلك الصباح الذي ظنّته المدينة يوماً عادياً من أيام العالم، كانت الشمس تمشي بخفّة فوق السطوح، كأنها أمٌّ تمرّ بين بيوت أطفالها لتوقظهم برفق. في الصفوف الصغيرة كانت التلميذات يجلسن مثل براعم على شجرة المعرفة، يفتحن دفاترهن كما تفتح الزهور أوراقها الأولى للضوء.
الطباشير كانت ترسم على السبورة خطوطاً بيضاء تشبه طرقاً نحو المستقبل، وكان صوت القراءة يتعثّر أحياناً ويضحك أحياناً أخرى، كما تفعل الطفولة حين تتعلّم كيف تمشي في اللغة.
لم يكن أحد يعرف أن السماء، في تلك اللحظة نفسها، كانت تُحضِّر امتحاناً آخر.
امتحاناً لا علاقة له بالقراءة ولا بالكتابة،
بل باللغة القديمة للموت.
فجأةً…
انشقّ الهواء.
لم يكن صوتاً عادياً، بل هديرٌ يشبه صراخ تنينٍ حديدي خرج من أساطيرٍ مظلمة، يحمل في بطنه ناراً عمياء.
الطائرة الحربية الصهيو-أمريكية لم تكن ترى الصفوف، ولا الضفائر الصغيرة، ولا الدفاتر المفتوحة.
كانت ترى الأرض كلها هدفاً.
وفي لحظةٍ واحدة، سقطت النار من السماء.
انكسر الصباح كما تنكسر مرآة الضوء.
اهتزّت الجدران، وتحوّل الصفّ إلى عاصفةٍ من الغبار والرماد، كأنّ عاصفةً من زمن الطوفان مرّت فوق المدرسة.
السبورة البيضاء التي كانت قبل لحظةٍ تحمل كلماتٍ عن الحياة، صارت فجأة شاهدةً صامتة على القيامة الصغيرة التي وقعت هناك.
سقطت التلميذات.
لكن سقوطهن لم يكن سقوطاً عادياً.
كان أشبه بما ترويه الأساطير القديمة حين تنطفئ نجومٌ صغيرة في السماء لتولد منها مجرّات.
كانت الضفائر المربوطة بشرائط ملوّنة ترتجف في الغبار كأعلامٍ صغيرة،
وكانت الدفاتر تتطاير في الهواء كطيورٍ مذعورة خرجت من قفص العالم.
مئةٌ وخمسةٌ وسبعون قلباً صغيراً
كانت تتعلّم الأبجدية.
لكن القنبلة لا تقرأ الأبجدية.
هي لا تعرف الفرق بين كلمة وطن وكلمة موت،
ولا تفهم أن اليد التي تمسك القلم
ليست اليد التي تضغط على الزناد.
وفي تلك اللحظة التي التقت فيها النار بالطفولة، حدث شيءٌ لا تسجّله نشرات الأخبار.
ارتفعت الأرواح الصغيرة مثل سرب حمامٍ أبيض فزع من الأرض،
ومضت نحو السماء التي جاءت منها القذيفة.
كأنّ التلميذات لم يمتْن…
بل تحوّلن إلى نجوم.
نجومٍ صغيرة
تعلّقت في سقف التاريخ.
ولم يكن هذا المشهد جديداً على هذه المنطقة من العالم.
فالسماء نفسها جرّبت هذه الخطيئة من قبل، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية مدرسة الأطفال في قرية مصرية اسمها مجزرة بحر البقر.
هناك أيضاً كانت الطباشير ترسم أحلاماً صغيرة،
وكان الأطفال يكتبون أول جملةٍ في حياتهم.
ثم جاءت الطائرات…
وكتبت الجملة الأخيرة بالنار.
كأنّ الطغيان، عبر العقود، يكرّر الأسطورة نفسها
أسطورة الإله الأعمى الذي يخاف من الطفل.
لا يعرفون أن الدم حين يسقط على هذه الأرض يتحوّل إلى ذاكرة،
وأن الذاكرة حين تختلط بدم الأطفال
تصبح لعنةً تاريخية تطارد القتلة حتى نهاية الزمن.
في المساء، عندما هدأت السماء وغادر الغبار،
دخل الناس إلى الصفّ الذي لم يعد صفّاً.
كانت الجدران متشققة مثل وجه الزمن،
وكان الضوء يدخل من السقف المكسور كأنه حزنٌ سماوي.
لكن وسط الركام…
بقيت أشياء صغيرة.
مقعدٌ فارغ.
حذاءٌ مدرسي صغير.
وشريطٌ ورديّ سقط من ضفيرة تلميذة.
وعلى الطاولة القريبة من النافذة
كانت هناك حقيبة.
حقيبة مدرسية صغيرة،
مفتوحة على دفترٍ للرياضيات.
في أعلى الصفحة
اسم تلميذة مكتوب بخطٍ متردّد.
وفي أسفل الصفحة
مسألةٌ لم تُحلّ بعد.
لكن السؤال لم يعد سؤال أرقام.
السؤال صار سؤالاً أكبر من العالم
كم نجمةً يجب أن تسقط من السماء
كي يتعلّم البشر
أن الأطفال
ليسوا
أهدافاً للحرب؟
والجواب…
ما زال معلقاً
بين الأرض
والسماء.
عبدالله عبدالله/باريس
