العدوان على إيران مقامرة “ترامب” الأخيرة وسقوط الأقنعة.
خديجة طه النعمي
حين تقف المنطقة على حافة هاوية لم تعهدها منذ عقود، لا يعود السؤال إلى متى ستمتر هذه المواجهة؟ بل أي عالم سيولد من رحم دخانها؟
ومع قراءة المشهد الملتهب اليوم في آذار/ مارس 2026 تتجاوز رصد حركة القاذفات فهي محاولة لفهم اللحظة التي يختبر فيها التاريخ قدرة القوة الغاشمة على كسر الإرادة الصلبة،فنحن أمام مشهد معقد تتداخل فيه أوجاع الجغرافيا، مع طموحات الهيمنة التي تصطدم بواقع المدن الصاروخية الرابضة تحت جبال إيران الشامخة، في زلزال يعيد رسم خارطة النفوذ العالمي من جديد، وبحثاً عن المواجهة المكتومة حول من يملك مفتاح الحرب في واشنطن، نجد أن خلف دخان الصواريخ في الشرق الأوسط تدور حرب من نوع آخر، حرب على صلاحية الضغط على الزناد، فالدستور الأميركي صُمم لكي لا يمتلك رجل واحد سلطة إعلان الحرب، لكن الواقع اليوم يكشف عن فجوة خطيرة فيه، فالرئيس ترامب الذي رفع شعار إنهاء الحروب الأبدية، يجد نفسه الآن متهماً بـ اختطاف قرار الحرب وتجاوز القوانين التي سُنّت بعد مرارة فيتنام لِلجم جموح الرئاسة، مما يهدد الديمقراطية الأميركية ذاتها ويجعل الرئيس قائداً مطلقاً يتجاهل أصوات الناخبين الذين سئموا دفع فواتير حروب لا تنتهي!
وهذه نتيجة طبيعة جداً لإمتلاك الصهيونية العالمية زمام الأمور في الإمبراطورية الأمريكية التي يبدو أن شمسها ستغيب قريباً…
وفي قلب هذا الإعصار، تبرز الجغرافيا الملتهبة وصراع المنظومات وكسر كعب آخيل الأميركي، فعسكرياً لم تعد الحرب نزهة جوية كما كانت سابقاً، إذ إن وصول منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل S-400 وغيرها إلى إيران رسم خطوطاً حمراء في السماء جعلت من التفوق الجوي الأميركي موضع شك، إضافة إلى القدرات الإيرانية القوية والمقتدرة والتي بنتها التجربة، تجعل واشنطن تدرك أن نقطة ضعفها القاتلة تكمن في طائرات التزويد بالوقود في الجو كما أكد ذلك الخبراء العسكريون، فبدون هذه الرئة لا تستطيع القاذفات الوصول إلى أهدافها، وإذا نجحت إيران في استهدافها سيتحول الهجوم إلى فخ استراتيجي، خاصة مع وجود المدن الصاروخية المحصنة التي تجعل من بنك الأهداف الأميركي مجرد رمال متحركة، هذا التصعيد الميداني يقودنا مباشرة إلى الزلزال الاقتصادي ومصيدة مضيق هرمز، حيث لا يمكن فصل الدخان المتصاعد عن بورصات النفط، فالمضيق هو شريان الحياة الذي يضخ خمس نفط العالم، وأي رصاصة هناك تعني قفزة جنونية في الأسعار تطحن الداخل الأميركي والغربي على حد سواء، وتجعل من هذه الحرب سقوطاً في الهاوية الاقتصادية بدلاً من أن تكون هروباً للأمام كما يصورها الأمريكيون والصهاينة.
ومع اشتعال الجبهات، تتجلى وحدة الساحات من غزة إلى طهران كحقيقة لا يمكن القفز فوقها، وكما أشار السيد عبد الملك الحوثي، فإن استهداف إيران هو محاولة لإزاحة العائق الأكبر أمام المشروع الصهيوني، واستهداف الرموز الكبرى، وعلى رأسهم السيد خامنئي، لم يكسر الإرادة بل وحّد الجبهات من صنعاء إلى بيروت وصولاً إلى القدس، في صراع وجود بين إمبراطورية تقامر بآخر أوراقها وشعوب ترفض الهيمنة، وفي محطة الختام لهذا المشهد نجد أنفسنا بين انكسار النمر ويقين النصر وسنّة الله في الظالمين؛ فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس حجم الدمار بل تحقيق الهدف السياسي، والهدف الأميركي بإخضاع إيران فشل ما دامت الصواريخ تنطلق من مكامنها وبقوة وزخم غير مسبوق، نجد أن واشنطن تقف اليوم أمام مرآة التاريخ، فإما الاعتراف بواقعية العالم الجديد، وإما الانكسار أمام سنن التاريخ التي لا تحابي أحداً، فالمشهد اليوم يعيدنا إلى المسار القرآني؛ فكلما تفرعن طاغية جاءه الرد من حيث لا يحتسب، {أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}، والعدوان سيصطدم بالحقيقة الثابتة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، إن القوة التي تتجاهل دماء المظلومين تحمل بذور فنائها في داخلها، فالحق أبلج والظلم ساعة، والموعد هو النصر المبين،{ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله}
